المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد المقصود Headshot

غداً يوم جديد.. "قصة قصيرة من الحياة"

تم النشر: تم التحديث:

بحركة لا إرادية انطلق الثور إلى داخل الحظيرة، وهو يتعثر في هذا الحبل الذي عقده الفلاح الشاب في كلتا قدميه الخلفيتين، خوفاً أن يطلق ساقيه للريح يوماً بلا عودة، فقد عهده دائماً ثائراً متمرداً

لم يسدل الليل أستاره بعد، لكن الإجهاد بدا على وجه الثور، الذي خرَّ إلى الأرض بمجرد دخوله إلى الطاولة التي يبيت عندها في كل ليلة؛ حيث تنتظره حفنة من التبن.

اشتاق اليوم لينال قسطاً من حريته بعد أن يفك الفلاح هذه الحبال التي التفت مثل شبكة صياد حول ساقيه، حرية لا ينتقص منها أنه سيظل حتى الصباح بين أربعة جدران.

وعلى الطاولة المقابلة نظر إلى البقرة اليتيمة التي تشاركه هذا السكن، وهي تغرس وجهها في كومة من العلف، وقد بدا عليها الرضا والارتياح.

يا لك من مخلوقة محظوظة! هكذا قال في نفسه.
لم يكن اليوم عادياً بالنسبة له، فهو منذ الصباح معلق في الساقية، عصب الفلاح عينيه بقطعة من القماش، ثم ربط رقبته إلى هذا القائم الخشبي الذي يدير الساقية، وتركه مثل كوكب يدور حول الشمس، كم هو مؤلم أن يظل ثور طوال اليوم يسعى داخل دائرة، تلفح حرارة الشمس ظهره حيناً، وتخور قدماه من تحته حيناً آخر، فيسقط على الأرض بجسده الثقيل كأنما خر من السماء، ولكن حرارة الشمس لا تزعجه كثيراً فقد ألفها، أما الجروح والتقرحات التي أصابت ولا تزال تصيب ركبتيه فقد أصبحت عادة لا تنقطع مع كل نوبة ري، كم هو مؤلم أن تمنح هذه الأرض الحياة، بينما تأخذ منك هي كل شيء.. قوتك وصحتك وعافيتك.

شيء واحد فقط كان يزعجه ويقض مضجعه، هو تلك الغمامة التي يضعها هذا الفلاح على عينيه حين يربطه إلى الساقية، لقد حاول مراراً وتكراراً أن يشرح لهذا الفلاح اللئيم أن لا ضرورة لذلك، لكن الآخر كان دائماً ما يتظاهر بأنه لم يفهم قصده؛ لذلك قرر أن يستسلم فيما بعد في معركة أيقن مسبقاً أنه حتماً سيخسرها، وربما وجد عزاء في أن هذه الخرقة البالية التي لا يطيقها فوق عينيه قد تطورت فيما بعد إلى قطعة قماش من عباءة قديمة كانت ترتديها سيدة الدار التي عهدها تستحم في اليوم أكثر من مرة، على عكس زوجها.

نظر مرة أخرى إلى البقرة التي أنهت وجبتها الشهية، وانزوت إلى ركن في الحظيرة تنظر إليه نظرة مشفق، عاد مرة أخرى لينقم عليها هذه الراحة، فهو لا يزال لا ينسى أن آخر مرة رآها قبل أن يعصب الفلاح عينيه كانت تقف في حقل البرسيم تنهل منه نهلاً، وأن أول مرة رآها بعد أن فك العصابة عن عينيه كانت لا تزال هناك تلتقط في زهد وتأفف بعض عيدان البرسيم وكأن تخمة أصابتها، أما هو فمسكين، يشعر بدوار يكاد يخلع ضلوعه من بين جنبيه، طالما تمنى أن يكون مثلها، أو أن يحظى بمثل هذا الاهتمام.. ويبدو أن الفكرة لم تعجبه، فتراجع سريعاً عن هذه الأمنية.. أليست تقضي الشهور تئن هي الأخرى من التعب؟! خصوصاً عندما تنتفخ بطنها في كل مرة قبل أن ينضم وافد جديد إلى زمرة العجول الصغيرة.

نعم هي فكرة سيئة، أنّى لي أنا بالحمل والولادة والرضاعة هي مهمة ليست شاقة في نظره، لكنه يراها تنتقص كثيراً من كرامته، التي لم يسمح لأي ثور من قبل أن ينتهكها، ثم إنه لن يتحمل أن يمنح هذا الفلاح اللئيم كل هذه الكمية من الحليب دون مقابل، كما تفعل هي في كل ليلة، هو لا ينال منه سوى العذاب.

عاد رأسه يدور من جديد، وبدأ النوم يراوده، طالما أحب هذه اللحظات التي يجلس فيها صامتاً يطالع هذه البقرة، ويعقد في نفسه هذه المقارنات بينه وبينها، لكنه الآن يجب أن ينال قسطاً من الراحة، فقد سمع الفلاح يتحدث إلى زوجته بأنه سيأخذ الثور غداً ليحرث هذه القراريط التي من وراء الترعة الكبيرة تمهيداً لموسم الأرز القادم، لمعت عيناه عندما تذكر أنه عندما سيربط إلى المحراث غداً لن تغطي عينيه تلك الغمامة، وهنا تدلى رأسه إلى الأرض في سبات عميق، ولسان حاله يقول: غداً يوم جديد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.