المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد المقصود Headshot

مرآة الحب التي لم تعُد عمياء

تم النشر: تم التحديث:

في مجموعته القصصية " بعض الظن إثم وبعض الظن حلال" يحكي الأديب المصري فتحي غانم قصة صديقه الصحفي البريطاني جورج مكريدي الذي كان يعمل مراسلا لصحيفة انجليزية شهيرة في أكثر من دولة بالشرق الأوسط. وكان الرجل يتنقل بين مصر والأردن والقدس والضفة الغربية، وبعد غيابه لفترة عن مصر عاد الرجل ليزف للأديب المصري بشرى وقوعه في حب فتاة فلسطينية وقراره الزواج منها بعد أن يشهر إسلامه ! وفي اليوم التالي أخذ مكريدي صديقه الأديب ليتعرف على فتاته التي وجدها كما يصفها " صموتة، خالية من المشاعر والأحاسيس وهي سمراء وطويلة ونحيفة ويشبه وجهها وجه حصان" باختصار لم يكن فيها ما يجذب أي رجل للدرجة التي جعلت غانم يسأل صديقه البريطاني باستغراب إن كان يرى في هذه الفتاة أي أنوثة؟!

تلخص هذه الواقعه المثل المشهور في تراثنا العربي بأن الحب أعمى أو كما يقولون " مرآة الحب عمياء". نطلق هذا المثل عندما لا نجد تناسقا بين زوجين أو حبيبين، شاب وسيم مثلا تسير إلى جواره زوجته التي لا تملك قسطا كافيا منه؛ وفي الوقت نفسه تجدهما منسجمين معا، الأمر لا يتعلق هنا بأي من تلك المقاييس التي يضعها العامة للرجال والنساء عند الزواج أو الوقوع في الحب. ويبدو أن واضع هذا المثل أراد لهؤلاء المعترضين أن يقبلوا هذا الوضع كونه قد تم بالفعل.

تعرف عزيزي القارئ أن المرآة هي الآداة الوحيدة التي تعكس ما نحن عليه أمام أنفسنا، وما نبدو عليه أمام الآخرين، وإذا تدبرنا المثل أعلاه تلاحظ أن الواحد منا عندما يقف أمام المرآة يبحث دائما عن مواطن الجمال التي قد يراها الناس، ويبحث أيضا عن الرتوش التي نحتاج لإضافتها لتجملنا أكثر أمام الآخرين. أما في حالة الحب فنحن نتغاضى عن كل العيوب التي تظهرها المرآة، ونضعها في قائمة الأمور التافهة التي لا تستحق أن نضعها في الاعتبار ... إنه الحب يا سادة هو من يجعلنا لا نرى ما يراه الآخرون، ونرى أيضا ما لا يراه الآخرون.

أذكر أن جيرانا لنا كان لديهم فتاتان اقتربتا من الثلاثين دون زواج، الأولى على قدر كبير من الجمال والقبول، والثانية لا تحمل أي دلائل على أي جمال أو قبول، وعندما يأتي أول عريس لمنزلهم جاء خاطبا للأخيرة التي لا تحظى بأي جمال، رغم أنه لا ينقصه شيء فهو وسيم ومثقف ويعمل في وظيفة محترمة، لكنه الحب الأعمى. أعرف أيضا أصدقاء يبحثون منذ أكثر من عشرة أعوام عن بنت الحلال وفق منظورهم وتصورهم، وحتى الآن لم يجدوها لأنهم لم يجدوا الصفات المطلوبة مجتمعة في شخص فتاة واحدة.

الغريب بالفعل هو أن دراسة علمية أجراها باحثون في كلية لندن الجامعية (University College London) تثبت أن المثل الذي تداوله أجدادنا قديما عن الحب الأعمى أو مرآة الحب العمياء صحيح، وقال الباحثون إنهم اكتشفوا مناطق في مخ تتوقف عن العمل عند التطلع إلي الأحبة، وأوضحوا أن هذه الأجزاء من المخ تمثل النظام المسئول عن التقديرات السلبية وإبراز العيوب وتوجيه النقد لمن نحب من الأشخاص. وفي إحدى تجاربهم خلال هذه الدراسة قام الباحثون بإجراء مسح بالأشعة لأدمغة أمهات ظهر أنها تنشط عندما يتطلعن لأطفالهن الرضع بنفس طريقة نشاطها عند التطلع إلي صور أزواجهن، مؤكدين أن منطقة معينة في المخ - هي المسئولة عن التفكير الناقد - تتعطل عن العمل في نفس اللحظة‏.‏ وقال د‏.‏ أندرياس بارتليز الذي قاد فريق البحث‏ إن كلا من الحب الرومانسي وعاطفة الأمومة له وظيفة بيولوجية وثيقة الصلة بأهمية التطور الحيوي وحب الحياة‏.‏

ويعكس هذا التفسير الأفكار الأخرى التي استقاها الوعي الشعبي للناس في عالمنا، والتي انبثق منها المزيد من الأمثال الشعبية التي تعضد الفكرة السابقة مثل قولهم: " مين يشهد للعروسة؟ " العريس بالطبع، وأيضا قولهم: " القرد في عين أمه غزال" وما شابه ذلك.

وبناء أيضا على النظرية السابقة ينصح بعض المتخصصين الشباب والشابات بعدم الاعتداد بالحب كمعيار عند الزواج، أو بمعنى آخر أن الزواج الذي لا يسبقه علاقة حب قد يكون أكثر استقرارا؛ كونه يأتي بعد مرحلة من التفكير والتوازن الجيد والشفاف، أما إن وجد الحب فإنه يقلب الموازين ولا يعترف بالشفافية؛ وإنما فقط بدقات القلوب، وسهر الليالي حتى إذا وقعت الفأس في الرأس انكشفت العيوب واحدا تلو الآخر فتبدأ نشوة الحب تتحطم على صخرة الواقع. ويقول الباحث الأمريكي صول جوردون: "حين يكون الإنسان في حالة حب فإن العالم كله بالنسبة له يدور حول شخص من يحب، ويأتي الزواج ليثبت عكس ذلك، ويهدم جميع تصوراته، بعد أن يكتشف أن هناك عوالم أخرى كان لابد أن ينتبه لوجودها ..

ويفسر ذلك بقوله: "مع الميل الشديد لا يستطيع الشاب أو الفتاة أن يقيّم مختلف جوانب شخصية الآخر، ولا يستطيع أن يتعامل معه بعقلانية، لأنه دائما يجد التبريرات لما يفعله الآخر، وفي أحسن الأحوال يأمل في أن كل شيء سوف يتغير بعد الزواج، لكن الوقائع تثبت أن ذلك غير صحيح، لأن كلا الطرفين حين يتعودا الاستحسان من الآخر لا يمكن أن يتحمل النقد منه أو اللوم بعد الزواج. فالحب حين يسيطر على علاقة، لا يرى الآخر في الحقيقة بل في إطار من المثاليات، ولذلك فهو يتجنب الانتقادات ويتجنب حتى إثارة أي موضوع يشعر أنه لا يروق له.

في الحقيقة عزيزي القارئ، لم أتعمد أن أكتب هنا عن مرآة الحب العمياء، وإنما كان قصدي عندما فتحت ملف الوورد وكتبت العنوان أعلاه أن أكتب عن هؤلاء الذين حاولوا قسرا أن يصلحوا عيوب الإبصار في مرآة الحب، فألبسوها نظارة (كعب كوباية) كما يقولون، ومنهم من أجرى لها عملية الفيمتو ليزك، ومنهم من زودها بميكروسكوب، ويعتقد هؤلاء أنهم بذلك سيحصلون على غايتهم المنشودة، وفق أعلى معايير الجودة من الجمال والخلق والتعليم والمال، متجاهلين أن هذا الأمر هو السبب فيما يعانيه الشباب والشابات حاليا من خيبة الأمل في العثور على رفيق الحياة، وهو ما يؤدي في الغالب إلى الوصول سريعا إلى منطقة العنوسة.

ما أحوجنا جميعا إلى أن نكون منطقيين وعقلانيين عند اختيارنا للطرف الآخر، للصديق، للجار، لرفيق رحل الحياة أيا كان موقعه من الإعراب في حياتنا،لا ينبغي أن نبالغ في الحصول على كل ما نشتهي ونتمنى، ولا ينبغي أيضا أن نفرط فيما نستحق فنرضى بمواصفات أقل. ما أحوجنا إلى التغاضي عن عيوب ومساوئ الطرف الآخر، ليس عن ضعف ولكن عن إيمان عميق بحتمية أن نكون مختلفين، وأن يكون لكل من نصيب مختلف من الرزق، والخلق، والجمال، والدين، والقبول. يجب أن نتحلى بسماحة النفس التي تمكننا من قبول الآخر رغم عيوبه، فكلنا لدينا عيوب، وكلنا نحتاج لمن يتغاضى ويتغافل عن أخطاءنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.