المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الحكيم Headshot

هل سيأتي يوم يلعنون فيه الثورة كما لعنّا غيرنا من قبل؟

تم النشر: تم التحديث:

لماذا سيُلعن جيل الثورة والثورة مستقبلاً كما تُلعن الأجيال التي سبقته؟
جيل الخمسينات الآن هو الأكثر انتقاداً من الشباب، الأمر الذي أثار فضولي لقراءة تاريخ بداية هذا الجيل، وبدأت من حقبة الزعيم عبد الناصر التي صُور لي سابقاً أن الشعب بأكمله كان يُسبح بحمده، فوجدت أن شريحة كبيرة كانت ضد سياسته، وتطور الأمر إن كانت هناك مظاهرات واعتقالات وقتل فما أشبه اليوم بالبارحة، ولكن لم توثق لهم وسائل الإعلام حينها إلا صوت عبد الناصر ومن يُحيطون به، وقد تطور الأمر إلى خارج مصر، فقد وثقت بعض الصور جداريات في سوريا كُتب عليها "يسقط الطاغية عبد الناصر"، "يسقط عميل أميركا"، أوليس هذا الجيل هو الذي نلعنه الآن؟ ألم يتذوق مرار الظلم سابقاً؟ فلماذا قبل به لنا؟ يبقى السؤال المحير: ما الذي حدث إذاً وغير ثقافة هذا الجيل؟ ما الذي جعله الآن على ذلك الوضع الفكري والثقافي؟

علينا أن نقوم بإجراء تلك التجربة، ففيها تكمن إجابات واستنتاجات كثيرة (أحضر خمسة قرود، وضعها في قفص، وعلِّق في منتصف القفص حزمة موز، وضع تحتها سلماً، بعد مدة قصيرة ستجد أنَّ قرداً لنسميه القرد "أ" ما من المجموعة سيسارع كيما يرتقي السلم محاولاً الوصول إلى الموز، والآن كلما حاول القرد "أ" أنْ يلمس الموز، ينبغي عليك أن تطلق رشاشاً من الماء البارد على القردة الأربعة الباقين في الأسفل وأرعبهم!! بعد قليل سيحاول قردٌ آخر القرد "ب" أن يعتلي نفس السلم ليصل إلى الموز، والمطلوب منك أن تكرر نفس العملية، رش القردة الباقين في الأسفل بالماء البارد. كرر العملية أكثر من مرة، بعد فترة ستجد أنه ما إن يحاول أي قرد أن يعتلي السلم للوصول إلى الموز ستمنعه المجموعة خوفاً من ألم الماء البارد.

الآن، أبعد الماء البارد، وأخرج قرداً من الخمسة إلى خارج القفص، وضع مكانه قرداً جديداً القرد "س 1"، هذا القرد لم يعاصر حادثة الماء البارد، ولم يشاهد شيئاً مما جرى داخل القفص، سرعان ما سيذهب القرد "س 1" إلى السلم لقطف الموز، حينها ستهب مجموعة القردة المرعوبة من ألم الماء البارد لمنعه وستهاجمه، ستجد أن القرد "س 1" مستغرباً من القرود، ولكن بعد أكثر من محاولة سيتعلم القرد "س 1" أنه متى حاول قطف الموز فإنه سينال عقاباً قاسياً من مجتمعه لا يعرف سببه ولا يتبيّنه.

الآن أخرج قرداً آخر ممن عاصر حوادث رش الماء البارد غير القرد "س 1"، وأدخل قرداً جديداً عوضاً عنه، ليكن القرد "س 2"، ستجد أن نفس المشهد السابق يتكرر من جديد، القرد "س 2" يذهب إلى الموز بكل براءة وسذاجة، بينما القردة الباقية تنهال عليه ضرباً لمنعه، بمن فيهم القرد "س 1" على الرغم من أنه لم يعاصر رش الماء، ولا يدري لماذا يعاقبه أبناء مجتمعه، كل ما هنالك أنه تعلم أن لمس الموز يعني عقاب المجتمع؛ لذلك ستجده يشارك، ربما بحماس أكثر من غيره بكيل اللكمات والصفعات للقرد الجديد القرد "س 2"، وقد يعاقبه كي يشفي غليله من عقاب المجتمع له.

استمر بتكرار نفس العملية، أخرج قرداً ممن عاصر حوادث رش الماء، وضع قرداً جديداً، النتيجة: سيتكرر الموقف، كرر هذا الأمر إلى أن تستبدل كل المجموعة القديمة الجيل الأول القديم ممن تعرضوا لرش الماء حتى تستبدلهم بقرود جديدة، الجيل الثاني الجديد في النهاية ستجد أن القردة ستستمر تنهال ضرباً على كل من يجرؤ على الاقتراب من سُلم الموز، لماذا؟ لا أحد منهم يدري!).

هذا الذي يحدث حرفياً أن الشعوب يتم مسخ عقولها تدريجياً حتى تتطبع بطباع غير الذي نشأت عليها، فمن الذي أطلق تلك العبارات "كُل عيش وربِّي عيالك"، "امشي جنب الحيط"، "ما لكش دعوة بالسياسة"، "خليك في حالك"؟ من أطلقها هو النظام، ومن رددها بعده أجيال وما زالت حتى الآن تردد، ولا نعلم لماذا نرددها؟ حتى خرج جيل يناير بثورته ضد تلك المبادئ العقيمة، وظلت القرود القديمة تنهال عليه ضرباً كلما فكر في التغيير خشية الرش بالماء (القتل - السجن - التعذيب)، حتى بدأ ينسحب هذا الجيل تدريجياً وينصاع جزء بسيط جداً منهم إلى القرود القديمة؛ ليصبحوا قروداً جديدة تنهال بالضرب على أجيال جديدة، الأمر الآن هو صراع بين جيل الثورة وبين النظام وقروده؛ إما أن نورث ثورتنا وننتزعها من قلوبهم، أو نتحول إلى قرود جديدة، ويلعنا جيل ينتظرنا وننتظر ثورته، فالأمر ليس نظاماً ظالماً، بل شعب يولد من جديد، إما الحرية أو العبودية، إما أن يلتقي جيلان يعرفان قيمة هذه الحرية، أو نُلعن وهم يلعنون، وكلما أتى جيل يلعن مَن يسبقه.

أيها الجيل الفريد في تاريخ مصر، الذي هو فخري ووسام على صدري، إنني جزء منكم، إياكم أن تسحبونا وتحولونا تدريجياً، ويتحول يوم الثورة المجيدة إلى يوم عيد لمنتجع القردة، معركتنا هي جيل بأكمله ينتظرها، فالثورة بدأت ولم تكتمل بعد، فإما أن تُلعن الثورة مستقبلاً كما عنونت هذا المقال، وتكون أسوأ حدث في مصر أمام أعيننا مستقبلاً في صمت منا حينها، أو نستكملها وتُلعن قرودها من أول طاغية حتى "صبَّح عليها بجنيه".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.