المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 أحمد عبد الحميد Headshot

كيف ساعد محصِّل الكهرباء جنرالات الجيش؟

تم النشر: تم التحديث:

يقول د. عبد الوهاب المسيري، في معرض حديثه عن فهم العدو: "نحن نعلم أن الجهد النظري (الاجتهاد) يختلف تمام الاختلاف عن القتال ضد العدو (الجهاد)، فلكلٍ مجاله وأدواته. ولكننا نعلم أيضاً أن الاجتهاد لابد أن يسبق الجهاد. والكفاح لابد أن يسبقه الفهم العميق. وإن اندفع المرء للجهاد والكفاح، دون اجتهاد وتعمق، وجد نفسه يحمل السلاح ضد عدو لا يعرفه، ويفاوض أو ينازل خصماً لا يفهمه حق الفهم."

و كذلك أيضاً، لا يمكن عمل ثورة بدون فهم عميق يسبق الثورة لما تحتاج أن تحققه. ربما ثورة 25 يناير كانت فعلاً ضد توريث الحكم و كفى، وقد تم ذلك. ولكن كيف لجميعنا أن يصبح له فهمٌ عميق بما نحتاج أن نثور عليه أولاً، حتى يتحول ذلك الفهم العميق لقدرة على الكفاح المستمر حتى يأتي اليوم الموعود بثمار ذلك الكفاح؟

الشرق الأوسط ممزَّق بين ممالك تحكمها أسر، و بين إقطاعيات تدار بيد جنرالات الجيش. ذلك أبسط الفهم. ولكن كم شخصاً منا يدرك لماذا يدير الجيش المصري مدارس، و مطاعم، و شركات تكييف.. لماذا الإصرار على السيطرة على الشركات القابضة التي تتعامل في أملاك الشعب من محاجر و كهرباء و كيماويات وغزل ونسيج. كم شخصاً يعرف بفهم عميق لماذا يجب أن تكون لجنة الأمن القومي وكذلك الوطني دائماً تحت سيطرة الجيش، ويصبح وحده منفرداً بغض النظر عن الحاكم الذي يحدد العدو الداخلي والخارجي نيابة عن الشعب كله؟ لماذا الإصرار على تعيينات المحافظين.. بل وحتى أعضاء مجلس الشعب أحياناً؟

في دولة تدار ظاهرياً على أنها دولة رأسمالية، بينما هي حقيقة دولة إقطاعية، اشتراكية بين قطاع الجيش وجنرالاته المتقاعدين وحدهم. يتقاسمون بينهم خدمات الصحة والترفيه والأموال وأكثر من 90% من أراضي الدولة بأكملها، ويحددون بأنفسهم العدو ثم يجبرون الجميع على محاربته.
في دولة كتلك، يلزم أولاً أن نفهم أن حرب الجيش المصري ليست حرباً تمثل شعبه. بينما يركز الجيش على حرب الإرهاب، تسرق المياه، وكذا الأرض. وبينما يحرق الأرض حول إسرائيل، و يتعمد التضييق على أرض مواطني سيناء في البناء و السكن والمعيشة، تتمدد إسرائيل يومياً في النقب وفي كل ميليمتر يقرب تمددهم العمراني من أرض سيناء.

الفهم العميق وحده، هو ما يجعلنا نفهم أن دولة قوام ميزانيتها الضرائب، ما يتم جمعه من المواطنين، يتم إنفاقه على مشاريع مع شركات تدار أيضاً من الجيش. تنفق كل تلك الأموال بالإسناد المباشر لشركات أخرى أيضاً في نفس الطبقة يملكها جنرال متقاعد. بل إن الشركات القابضة التي تتعامل في خيرات الأرض؛ البترول أو الحجر أو حتى الرمل، تدار وتباع وتستهلك أموالها في نفس الشركات قبل أن تصل للـــ "دولة" التي ينفقون هم أموالها على أنفسهم مرة أخرى!

#الفهم_العميق وحده، يجعلنا نفهم، أن محصل الكهرباء حين يصل على باب كل منا، فإن المال الذي يجمعه لن يذهب منه إلا القليل للدولة وسينفق بشكل اشتراكي بين طبقة الجنرالات وشركائهم. و البقية، هي نصيب شركة قابضة يتحكمون فيها أيضاً، وأغلب الأموال لشركة أجنبية أو خاصة.. لن يحصل الشعب على خير ذلك كله بأي شكل، بل وسيذهب أغلب ذلك المال الذي تم تحصيله للخارج. محصل الكهرباء في ذلك، هو "عامل جباية" يحصل "الإتاوة" للمالك الأجنبي، وللكحول الوطني!

حرب الجيش المصري ليست هي حرب مواطنيه حفاظاً على أمن الماء المهدر في منابعه، ولا أمن أرضه أو ملكيتها ما بين الجزر المهدرة أو جنوب السودان كأمن جيو-ستراتيجي. لا يهتم الجيش أصلاً بتمدد إسرائيل العمراني باستمرار في اتجاهنا. الجيش منهمك في حرب أخرى. حرب الجيش المصري لا تمثل أصلاً مصر ولا شعبها بأي شكل ولو مصادفة.

حرب الجيش المصري حالياً، إعانة انقلاب ليبيا، تمرير أسلحة للأسد بسوريا، خنق مقاومة الأرض بفلسطين، دعم ما يراه مالكو السعودية و الإمارات أو حتى قطر.. من يدفع، أكثر بأي معونة، نبيعه أي شرف باق ممكن.

لا يمكن لثورة أن تغير، بغير فهم، ما الذي نريد أن نغيره؟

هل هو حالة "الإقطاع" بحيث يتم نقلها من الجيش للشرطة مثلاً؟ أو للإسلاميين؟ للإخوان؟ هل نريد التحول من دولة إقطاع لدولة إقطاع أخرى؟! هل نريد أن نكمل مسيرة التغني بالــ "توافق الوطني"؟ هل استقر في نفوسنا أننا نريد إرادة حرة تقرر العدو والصديق، وتتحكم في الأموال وتراقبها، أن تصبح تنافسية رأسمالية؟ أم اشتراكية يدير فيها الحاكم (الإقطاعي) مدارس الأطفال وصناعة حلاوة المولد؟!
هل نبقي على نوادي القوات المسلحة، والجيش والشرطة وأسوار العزل الداخلي؟ هل تؤمم كل تلك الأصول لصالح الناس؟ هل يبقى خير البترول للقائمين عليه وتحرم منه حتى المدن التي يستخرج من شواطئها؟ كيف نمحو كل ذلك الإقطاع من جذوره "الثقافية" و رضا الناس به؟ هل رضي الناس فعلاً؟ هل فهمنا فهماً عميقاً أن ثورتنا متجاوزة لحدود أرض دولة بعينها.. وأنه يلزم تصدير الثورة من أول لحظة لكل دول الجوار حفاظاً على ثورتنا نفسها؟

أحلم، بوطن يقرر فيه ناسه بأنفسهم. يختارون من يمثلهم حتى في المحافظين. أحلم بوطن لا إقطاع فيه.. متجاوز للعدل، لأمر المساواة.. لدعم تساوي الفرص. أحلم بوطن يقرر فيه أهله أعداءهم.. لا أن تقرر واشنطن، أو العدو نفسه!
على الأقل، علينا "الاجتهاد" وصولاً لذلك الفهم العميق، وربما يقدر لنا في العمر ما هو أكثر. ولكن أولاً يلزم أن يفهم الجميع، ما الذي يجب أن يتغيَّر؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.