المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد الغفار Headshot

ديكتاتور الصين الطموح: دينغ شياو بينغ

تم النشر: تم التحديث:

لولا أن الزعيم دينغ تقلد السلطة فى الصين قبل تقلُد غورباتشوف السلطة فى الاتحاد السوفيتي، لقيل إن دينغ تتبع أخطاء غورباتشوف وتجنبها، لقيل إن الصين نجحت في التحول تدريجياً إلى آفاق أفضل في الأحوال الاقتصادية أولاً والسياسية ثانياً، بفضل تجنب أخطاء غورباتشوف فى البيريسترويكا.

ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفيتي
لكن هذا لم يحدث، فلأول مرة مُنذ "تساو تساو" تظهر الحكمة الصينية المعروفة لدى حاكم صيني.
فسياسة الصدام السريع التى تبناها غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي للتحول الى الديمقراطية سريعاً والقضاء على الفساد وإصلاح الاقتصاد فيما يسمى بالجلاسونست (أي المصالحة والمكاشفة)، ثم المبادرة الأشمل والأشهر البيريسترويكا (أي إعادة البناء) أدت في واقع الأمر إلى سقوط الاتحاد السوفيتي وأصبح غورباتشوف فعلياً رمزاً للاتحاد السوفيتي، لا لأنه المُصلح كحال دينغ فى الصين، ولكن لأنه أصبح آخر رئيس للاتحاد السوفيتي.
لرُبما كان فى صالح غورباتشوف -والاتحاد السوفيتي عموماً- أن يتعلم من تجربة دينغ فى الصين لرُبما ما زال الاتحاد السوفيتي قائماً حتى الآن.

فماذا فعل الديكتاتور الحكيم دينغ؟

يمكن تلخيص ما قام به الزعيم دينغ بجملة واحدة قالها د.عزرا فوغل، أستاذ الدراسات الاجتماعية في جامعة هارفارد
: "لقد قاد دينغ ما يمكن أن يُوصف بأنه أوسع عملية شهدها التاريخ لخروج البشر من الفقر إلى الطبقة الوسطى؛ حيث ارتفع متوسط دخل الفرد في الصين من151 دولاراً أميركياً في عام 1978 ليصل إلى أكثر من 6 آلاف دولار في عام 2012. وخلال الفترة المذكورة، يقدر بأن أكثر من 230 مليون صيني انتقلوا من معدلات دخل تُصنف على أنها تحت خط الفقر لينضموا إلى الطبقة الوسطى (أي بمتوسط دخل سنوي للفرد لا يقل عن 9 آلاف دولار)".

حتى أصبح دينغ مُلهم الصين حياً وميتاً، حديث الرؤساء الصينيين من بعده، ينتظر العالم نبوءته التى تتم عام 2028 لتصبح الصين المؤثرة الأولى اقتصادياً وسياسياً في العالم.

فمنذ أن واجهت الصين فشل كل المبادرات والمحاولات التي أقامها ماو تسي تونغ كزعيم للحزب الشيوعي (1947 - 1976) لتقدم الصين، مثل الثورة الثقافية ومشروع القفزة الكُبرى إلى الأمام ومات الرجل والصين كما هي تنين نائم.

تقلد دينغ شياو بينغ السلطة بعد إطاحته بسلفه عام 1978 برؤية لتبني اقتصاد السوق يتماشى -ولو نسبياً- مع الاشتراكية الصينية مع حزمة بسيطة من الإصلاحات السياسية وحزمة أبسط من الحريات.

دنغ شياو بينغ

تبنى فكرة بُنيت عليها كل شيء نعرفه عن الصين الآن "حيث لا يوجد أي نظام اقتصادي صالح للصين دون أن يحقق مستوى نمو مثل الدول الرأسمالية".
فقبل كل شيء، بدأ فى إصلاح التعليم؛ حيث الأولوية المُطلقة للإنفاق عليه وإحياء حقيقي للبحث العلمي، فكان القرض الأول الذي حصلت عليه الصين من البنك الدولي فى السبعينات موجهاً بأكمله لإصلاح التعليم، وأسرع من عمليات ابتعاث طلاب الصين إلى الدول المتقدمة.

قام بإصلاحات اقتصادية مهمة لتجعل ثلث الإنتاج في الصين الآن من استثمار خارجي ومن تطبيق ضرائب عادلة، وسياسة التسهيل للمستثمرين بتطبيق نظام الشباك الواحد، وجعل أجور العمال تنافسية وخلق طبقة متوسط عريضة من الشعب وإنشاء المدن الاقتصادية الخاصة وغيرها.

فالرجل وبسبب سياسته الناجحة تغيرت الصين من مجتمع زراعي إلى مجتمع صناعي وزراعي مُنتج يصدر إلى الخارج، فارتفعت الصادرات الصينية خلال عقد واحد من 10 مليارات دولار إلى أكثر من تريليون دولار.

حكمة دينغ بصرت أن الصين ليست مُهيأة لا الآن ولا في الأجل المتوسط لتجربة ديمقراطية على غرار الدول الغربية، فرأى سياسة محدودة التغيير؛ حيث الاحترافية السياسية بعملية حازمة لاختيار القيادات السياسية والتنفيذية أقرب إلى ما يسمى التكنوقراط، هذه السياسة أفرزت إصلاحياً كرئيس وزرائه زهاو زيانغ، والتحرر البسيط في الحريات سمح بانتقاد الفساد وقصور الخدمات في وسائل الإعلام المحلية.
نتيجة لذلك ظهرت مظاهرات الطلاب الجامعيين لمزيد من الحرية السياسية عام 1989، ولكن دبابات الرجل سحقت المتظاهرين في الميدان السماوي.

الثائر المجهول أمام الدبابات في الميدان السماوي

دينغ حول أمة مليارية ضعيفة، تشتري قمحها من الخارج، مكتفية على ذاتها سياسياً غير مؤثرة في محيطها الآسيوي، إلى أمة عظيمة يتطلع إليها العالم وينظر إليها بعين الاحترام قبل عين الخوف.

لذلك كان الزعيم دينغ إصلاحياً، واسع الاطلاع، لديه بقية من الحكمة الصينية، لكن بالطبع كان ديكتاتوراً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.