المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عابدين  Headshot

"يقين وشوكان"... الكاميرا عدو النظام

تم النشر: تم التحديث:

إذا كانت المهمة الأولى والأساسية للصحافة هي إخبار الناس بالأحداث كما هي، دون إضافة رأي عليها، فإن عدسة الكاميرا هي أصدق الوسائل وأقربها إلى تحقيق هذا الهدف السامي، فهي لا تُضفي رأيها على ما تحمله من صور، وكم من قضايا كُبرى فجرتها صورة أو مقطع فيديو، ولهذه الأسباب كان هناك دوماً عداء شديد بينها وبين خارقي القانون، وفي مصر حيث لا أحد يحمي المصداقية و العاملين عليها، بل هم دائماً في مرمى النيران أصبح العداء علناً بين الكاميرا والنظام الحاكم وأدواته وأجهزته حيث إنهم أكثر الفئات في المجتمع خرقاً للقانون.

على مدار سنوات مضت عملت خلالها صحفياً ومسئولاً إعلاميا بأحد المؤسسات، عرفت كاميرا شبكة يقين ولم أفتقدها يوماً في أي من المؤتمرات أو الندوات أو الوقفات الاحتجاجية أو أي من الفاعليات السياسية أو غير السياسية، ودوماً عرف كل من المسئولين عن تنظيم هذه الفاعليات أنه لو غابت عدسات القنوات التلفزيونية أو المواقع الإخبارية فإن عدسة شبكة يقين لن تتأخر مهما كانت الرسالة السياسية للفاعلية أو التوجه السياسي لعاقدها، وتلك هي بالفعل رسالة الإعلام الحقيقي المهني، حيث إن مهمته هي نقل الحدث كما هو تاركاً الحكم عليه للمشاهد، ولذلك كانت دوماً شبكة يقين في مرمى الاتهامات والهجمات وخصوصاً من قبل قوات الشرطة، والتي قامت باقتحام مقرها عدة مرات خلال الأعوام الأخيرة ولم تتركه حتى قامت بإغلاقه نهائياً ومصادرة المعدات التي لطالما فضحت وكشفت حقائق وفجرت قضايا كان كشفها حقاً لكل مواطن.

كما قامت النيابة بحبس مدير الشبكة الأستاذ يحيى خلف، الرجل الخلوق الذي عرفت صوته بكل ما يحمله من أدب واحترام خلال سنوات مضت، كنت أتصل به لدعوتهم للحضور وتغطية الفاعليات التي أقوم بتنظيمها في مختلف الأماكن داخل القاهرة أو خارجها، ووجهت إليه حزمة من التهم التي لطالما تم اتهام كل معارضي النظام بها والتي أغلبها تهم مطاطة يمكن توجيهها للغالبية العظمى من العاملين في الصحافة أو المنضمين لأي كيان سياسي شرعي والتي هي: الانضمام إلى جماعة تستخدم الإرهاب لمنع أجهزة الدولة من ممارسة عملها، والترويج لتغيير دستور الدولة، وقلب نظم الدولة الاجتماعية والاقتصادية، وتصوير تسجيل وعرض مصنفات فنية وبصرية دون ترخيص من وزارة الثقافة، ليدخل الرجل في دوامة الحبس الاحتياطي التي تبتلع أعمار الناس في مصر دون حساب ودون رقيب إلا أنها دوماً ما تخطئ المجرمين الحقيقيين الذين أفسدوا ويفسدون في البلاد والذين دوماً لا تطالهم يد القانون في مصر.

دوامة الحبس الاحتياطي تلك التي ابتلعت حتى الآن أكثر من 700 يوم من حياة بطل آخر من أبطال الصورة في مصر، المصور الصحفي «محمود أبو زيد شوكان» الذي عرفت صوره طريقها للعالمية ووجدت لنفسها مكاناً في الصحافة الألمانية والإنجليزية وصولاً لمجلة التايم واسعة الانتشار عالمياً، والذي يدفع ثمن مهنيته واحترافه أياماً وشهوراً وسنيناً من عمره وحريته وصحته التي تدهورت داخل زنزانة لا آدمية وضعه داخلها من أرادوا أن يخفوا الحقيقة عن الناس، تلك الحقيقة التي سعى لها شوكان وسط المخاطر والتي تخلف عنها أغلب الصحفيين والمصورين، حيث توجه لنقل أحد أهم الاحداث في تاريخ مصر والعالم كما يقول مراسل جريدة الجارديان في مصر، والتي كانت تغطيتها فرض عين على كل مراسل ومصور، إلا أنها لم تكن رغبة النظام.

إن ما يحدث لمدير شبكة يقين ولشوكان صورة مصغرة من صور الظلم في مصر، لأشخاص كثيرين نعرفهم، بينما هناك الآلاف غيرهم لا نعرف عنهم شيئاً، أخفتهم يد الظلم في مصر، ولا نعرف حجم الإيذاء البدني والنفسي ولا عدد السنين التي ضاعت من أعمارهم نتيجة إجرام وظلم أنظمة حاكمة حالية وسابقة، كما أنها تعبر عن العقيدة التي يؤمن بها النظام الحاكم في مصر والذي يتحسر على إعلام ستينيات القرن الماضي الذي أشبع الناس كذباً وزيفاً حتى أوقعهم في نكسة ذل وعار لم تستطع البلاد أن تفيق من تبعاتها حتى الآن، ويعمل على إعادة نفس الحالة مرة أخرى بنفس الأساليب حتى يتمكن من احتكار الحقيقة في زمن صار فيه لكل مواطن طريقه لنشر الأخبار والحديث في الشأن العام، وصارت محاولات إخفاء الحقائق وكتم صوت الناس محاولات بلهاء لا تأتي سوى بنتائج عكسية تماماً، فكل القضايا التي قرر النظام حظر النشر والحديث عنها كانت أكثر القضايا انتشاراً بين الناس وتضاعف معدل الاهتمام بها أمام باقي القضايا الأخرى.

لا أحد في مصر يعلم إلى أين تأخذنا هذه الرؤية المتخبطة والتي تسعى إلى الهروب إلى الماضي بقوانينه وأساليبه، إلا أن الجميع يدرك تماماً أنه لن يؤدي إلى التحرك إلى الأمام أبداً، ومع رفض النظام لسماع أية كلمة دون النفاق والمديح والتهليل والإشادة بحكمة قراراته لا نملك إلا أن ننتظر ونترقب وندعو الله أن يُنجي هذا البلد وأن ينقذ كل فرد تطاله يد الظلم.