المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد الله  Headshot

لتقرير الأقلية: ماذا يجدر بالعالم أن يهتم بما يجري في مصر؟

تم النشر: تم التحديث:

لماذا يجدر بعموم الناس في العالم أن يهتموا بما يجري في مصر؟

في فيلمه الصادم "تقرير الأقلية" التقط ستيفن سبيلبرغ قصة المبدع فيليب كيندر ديك، وفيها أن الحقيقة يمكن أن نبحث عنها في السرد غير الشائع، وأن الروايات المتداولة المعتمدة من هذه السلطة أو تلك ينبغي أن تكون موضع شك، وتشكيك، في إطار الصراع الأزلي بين الوعي الإنساني والسعي التسلطي للسيطرة.

أتمنى أن يتسع الوقت لأكتب- على حلقات- تقرير الأقلية عما جرى في شوارع مصر وميادينها، وأن أجد شركاء ليكتبوا بدورهم عما حصل في اليمن، وسورية، وليبيا، قبل أن تتحول تلك الثورات السلمية التي هي جزء من حاضر ومستقبل الإنسانية إلى صراعات دموية فاشية بين سلطات تشبه النازي وبطشه ببشر مسالمين، أو القتال ضد، أو بين مجموعات مسلحة بالبنادق، والحقد، والانتقام، وفشل التحديث الفوقي المنبت عن الجذور، والتنمية المسلوبة، وتراكم الفساد البيروقراطي، والعجز عن فهم التراث واستيعابه، ومن ثم تجاوزه.

نزول الناس بالملايين إلى ميدان التحرير، وغيره من ميادين مصر ركب بهم وبها آلة الزمن نحو طرح إجابات عن أسئلة تشغل بال الكثيرين من البشر حول العالم، أسئلة عن العلاقات بين الناس وبين السلطات المسلحة بالقوانين والقنابل، ورؤوس الأموال المسيطرة على الوظائف عبر الشغل، والمسيطرة على العقول عبر الإعلام، والنخب الغريبة عن ثقافتها ولغتها و مصالح ناسها.

في برنامج تلفزيوني قبل الانتخابات الرئاسية متعددة المرشحين في مصر(مايو 2012) سأل أستاذ العلوم السياسية المرموق ذلك المرشح الرئاسي الطموح: كيف ستتعامل مع مصريين يعيشون بعقولهم في ثلاثة أزمنة متوازية ومختلفة.. زمن ما قبل الدولة، وزمن الدولة، وزمن ما بعد
الدولة؟؟

الإجابة لم تكن صادمة لي، المرشح لم يفهم السؤال، ولا أظن غيره من المرشحين كان سيفهمه، ولست متأكداً من نسبة من يمكنهم فهم السؤال من المشاهدين، ذلك أن الأغلبية الساحقة من المصريين، بدلاً من أن يدققوا، ويتفحصوا، ويتأملوا، ويدرسوا ما قد حملته إليهم آلة الزمن من أفق جديد للإنسانية على مرأى ومسمع من العالم بأسره، آثر بعضهم مدفوعاً بمصلحته، والبعض مدفوعاً بالاستسهال، وآخرون ساروا وراء التيارات المثيرة للضجيج، وركب الجميع آلة الزمن مرة أخرى عودة إلى إيطاليا- الفاشية، أو ألمانيا- النازية، أو إسبانيا- الحرب الأهلية، أو الأرجنتين- زمن حكم الجنرالات، أو تشيلي- بينوشيه، أو خليط بين هذه الأزمنة والأمكنة، وغيرها!!!

الحياة في مصر الآن توفر فرصة نادرة لمعايشة هذه الخبرات التي يقرأ عنها الناس في الكتب، أو يشاهدونها في الأفلام الدرامية، والوثائقية.

نزول الناس بالملايين إلى الشوارع طرح في حينه ما يتناغم مع ما يتساءل عنه البشر هنا و هناك حول العلاقة بين المدني والعسكري، والديني والدنيوي، بين الإنسان والأديان، وبين الأديان والحياة اليومية، وحول رؤى ثورية تجديدية للفن للروحانية، وفي كواليس المشهد الدامي المتصدر حالياً (في مصر) ما تزال هذه القضايا والأسئلة متداولة، حيث يناقش البعض (بالآلاف) السبيل إلى ثورة اجتماعية جنسية، وتنطرح أعتى الثوابت التي كانت مستقرة للنقاش، وتخضع نجومية كبار الكتاب والفنانين للتشكيك والتجريح علنا، ولا تبدو للديكتاتورية الباطشة أية هيبة، وهي تزيد من ضراوة عنفها لتعميق ونشر الفزع والخوف، فإذا بالملايين من الشباب يواجهونها بالسخرية، وبعضهم بالتظاهرات.

العلاقة بين الأجيال، وتجاوز فكرة تأثير النخب لمصلحة الناس، ومحاولة صياغة علاقات جديدة فاعلة بين الموروث والوافد، و تفهم الماضي، واستيعاب دروسه لتجاوزه، وليس للذهاب إليه.

هذه الهموم كانت في عمق وعي من خرجوا فاتحين صدورهم للرصاص في يناير/ فبراير 2011، وهي اليوم موضع نقاش، بل نقاشات هادئة مستفيضة، وأحيانا صاخبة، في كواليس المشهد الذي تنقله الميديا بوصفه (ما يحدث في مصر) من صراع بين ديكتاتورية تقتل و تعتقل وتنتهك يوميا.. خارج القانون، ومجموعات مسلحة غامضة تمارس هي أيضاً القتل خارج القانون (القانون معطل أصلاً، والقضاء ألعوبة في يد الدبابة)!!

المواجهة المفتوحة بين قتلة ومقتولين بعضهم سلميون، وبعضهم مسلحون هي جزء من المشهد، وربما تكون أفدح ما فيه، لكنها ليست الأهم في تقدير من يبحث عن إجابات لنفس الأسئلة التي طرحتها ملايين الربيع العربي، وما تزال مطروحة، ومحل نقاش، ولكن يحاول الدم أن يغرقها حاليا.

يمكن السير قدماً في طريق الدم كما سارت تجارب أخرى، وتداعيات هذا ستكون هائلة داخلياً في مصر، وإقليميا في محيطها، ودولياً في عالم ينوء باللاجئين والمهاجرين والمصدومين الهاربين من جنوب العالم الدامي حيث جحيم الانتهاكات المجنونة لأبسط حقوق البش، ناقمين على شمال تتواطأ سلطاته على تصعيد معاناتهم، ولا يكترث جمهوره بنضالات وتساؤلات هي في صميم السعي الإنساني النبيل للرقي البشري.

تدافعت مشاعري و دموعي أمس وأنا أبحث لاهثاً عن تلك المجموعة التي كنت قد سجلتها على الفيسبوك لتقديم دعم مصري إلى متظاهري وول ستريت (نهايات 2011) ووضعت في صدارتها صورة امرأة متوسطة العمر تجلس على مقعد خشبي في مساحة عامة تراكم فيها الجليد، وخلفها بعض من لافتات تلك المظاهرات، بينما تحمل هي لافتة ورقية صغيرة: ساعدينا يا مصر، وأنا بدوري أقول لعموم الناس في العالم: النجدة- ساعدونا.

(يتبع)