المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد القوي Headshot

البرادعي "المُفترَى" ببراءته من الدم

تم النشر: تم التحديث:

حلت الذكرى الثانية لمجزرة فض اعتصامي رابعة والنهضة، فأحياها كلٌّ على طريقته، فالبعض كتب ووثق شهاداته قبل أن تنام الذاكرة، والآخر تبادل الاتهامات عن: من المسئول عن هذه الدماء، وآخرون ظهروا بأنفسهم ليبرئوا ساحاتهم من المسئولية أو التحريض أو تهيئة الأجواء السياسية التي مهدت لتلك المذبحة.

ورغم مرور عامين، ما زال الجدل ثائرًا عن: هل الدكتور محمد البرادعي والذي قدم استقالته عقب المجزرة متهم كعبد الفتاح السيسي ومحمد إبراهيم وهشام بركات وجميع الوزراء والسياسيين الذين أيدوا فض الاعتصام بالقوة؟ أو أنه بريء لم تلطخ يده بدماء الآلاف من الشهداء، قضوا برصاص الجيش والشرطة، في ظل نظام كان يشغل فيه نائب رئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية، وعضوًا بالمجلس الأعلى للدفاع.

بداية.. كنت من أشد مؤيدي البرادعي بل كنت أحسب نفسي من الألتراس الداعمين له عندما عاد إلى مصر في عهد مبارك واستقبلته في المطار وشاركت في معظم الفعاليات التي تواجد بها، وشاركت في حملة جمع التوقيعات للمطالب السبعة التي دعا لها مع الجمعية الوطنية للتغيير عام 2010، وكنت عضوًا متطوعًا في اللجنة الإعلامية في الحملة الداعمة لترشحه رئيسًا للجمهورية.

هل البرادعي متورط في الدم؟
كان البرادعي من أوائل السياسيين المصريين الذين دعوا الجيش للتدخل لتحقيق الاستقرار حسب زعمه، ففي تصريح له بتاريخ 25 فبراير 2013 وكان آنذاك رئيس حزب الدستور قال البرادعي لـ "جيم مور" مراسل هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي: إن "تدخل الجيش أمر منطقي لتحقيق الاستقرار" وأضاف "إذا كانت مصر على شفا الإفلاس، وإذا كان القانون والنظام غائبين، فإن على الجيش واجب وطني للتدخل".
لذا لم يكن مستغربًا أن يهرول البرادعي إلى الجيش ونراه في مشهد الانقلاب يجلس بجوار قادة القوات المسلحة بينما قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح السيسي يقرأ بيانه بعزل الرئيس المنتخب ووقف العمل بالدستور وحل مجلس الشورى المنتخب.

إذا كان البرادعي حقًّا يرفض العنف أيًّا كان شكله ومصدره؛ فلماذا قبل بمنصب نائب رئيس الجمهورية للشئون الخارجية ثاني يوم مجزرة الحرس الجمهوري التي قتل فيها الجيش أكثر من 80 مصري ؟

وإذا كان البرادعي يرفض الدم ويعتبره سببًا لسقوط النظام الحاكم فلماذا لم يستقل من منصبه مباشرة كنائب للرئيس المؤقت عقب مجزرة المنصة التي قتل فيها الجيش والشرطة أكثر من 100 مصري من المعتصمين بميدان رابعة؟

وإذا كان البرادعي منصفًا ومتسقًا مع مبادئه حقًّا فلماذا لم يستقيل بعد مقتل 7 مصريين برصاص الشرطة في أحداث رمسيس الأولى؟

وإذا كان البرادعي يرفض الدم فلماذا لما يستقل بعد طلب السيسي التفويض؟ بل برر له ذلك في لقاء تلفزيوني أنه (السيسي) أراد بطلبه أن يظهر للمصريين وللعالم أن هناك أغلبية ساحقة من الشعب غير الإخوان.

بعد أحداث الاتحادية التي قُتل فيها 9 بينهم 8 من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي قال البرادعي إن النظام فقد شرعيته عبر هذه التدوينة "بعد العنف المفرط ضد التظاهر السلمي، وقتل المتظاهرين، تحت سمع وبصر الدولة مات الإعلان الدستوري والاستفتاء إكلينيكيًّا وفقد النظام كل شرعية".. إلا إنه صمت وشارك نظامًا عسكريًّا انقلابيًّا فاشيًّا قتل الآلاف وتورط في إسالة الدماء خلال عامين في كل ربوع محافظات مصر أنهارًا، حتى نطق على استحياء في الذكرى الثانية لفض رابعة بتدوينة من 6 كلمات قال فيها "رحم الله الجميع وهدانا سواء السبيل".

وماذا عن شرعية النظام يا دكتور برادعي أليس هذا النظام يستحق أن يسقط وفقد شرعيته أيضًا؟! أم أن فصيلة دماء من استشهدوا في رابعة والنهضة من التي ترسخ بقاء النظام ولا تسقطه! لماذا لا تتجرأ وتقولها.

وفي حوار للبرادعي مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية بتاريخ 1 أغسطس 2013 أي بعد مجزرتي الحرس والمنصة، قال إنه كان على الجيش أن يتدخل ويعزل مرسي لأننا في مصر ليس لدينا إقالة أو استدعاء كما يحدث في النظم الديمقراطية، وأضاف البرادعي في حديثه للصحيفة أنه كان على مرسي الاستقالة لأنه خرج 20 مليون مصري يطالبون برحيله.

الطريف أن السيسي أجرى حوارًا مع ذات الصحيفة بعد حوار البرادعي بيومين وقال إن المتظاهرين كانوا أكثر من 30 مليون.

وفي 8 أغسطس 2013 وبينما كان المعتصمون في رابعة يحتفلون بعيد الفطر، كان البرادعي برفقة الجنرال السيسي ووزير الداخلية والرئيس المؤقت عدلي منصور يؤدون صلاة العيد في مسجد القوات الجوية، خطب فيها وأمّهم الشيخ على جمعة، مفتى الديار المصرية السابق، وكان حديث جمعة أثناء الخطبة وبعدها مع السيسي والبرادعي ومحمد إبراهيم نفس حديثه المسرب الشهير "اضرب في المليان" الذي يدعو فيه الضباط لقتل الإخوان واصفًا إياهم بالخوارج.

وفي لقاء للبرادعي مع قناة الحياة بتاريخ 3 أغسطس 2013 قال نصًّا:
- "إذا لم يكن هناك بديل إلا استعمال القوة لفض الاعتصام هسنستعمل القوة لكن بأقل قدر ممكن من الخسائر".
- ما حدث في 3 يوليو ليس انقلابًا عسكريًّا بل تصحيح لمسار ثورة يناير.
- مرسي لم يتعرض لاختفاء قسري بعد 3 يوليو.
- السيسي لديه التزام أخلاقي بنبذ العنف.

وفي لقاء للدكتور حسام عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء الأسبق، ووزير التعليم العالي في حكومة حازم الببلاوي على قناة الحياة يوم 25 نوفمبر 2014 قال: إن مجلس الوزراء عندما اتخذ قراره بفض اعتصامي رابعة والنهضة استأذنهم حازم الببلاوي وقال: من غير المعقول أن يأخذ مجلس الوزراء هذا القرار دون موافقة الرئيس ونائبه (البرادعي) وبالفعل خرج واتصل بالاثنين ورجع وقال اتصلت بالرئيس عدلي منصور وقد وافق على الفض، واتصلت بنائب الرئيس وقد وافق أيضًا.

إلا إنني ورغم كل هذه الأدلة التي تدين البرادعي والتي تحدث فيها صراحة عن استعمال القوة أجد من الإنصاف أن أذكر دليلًا يشير إلى أن البرادعي كان له رأي آخر يطلب -إعطاء مزيد من الوقت- للوصول لحل سلمي، ففي حوار مطول لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 1 سبتمبر 2014 مع حازم الببلاوي، رئيس الوزراء أثناء الفض قال نصًّا في رده على سؤال هل كان البرادعي معترضًا على فض الاعتصامين؟
"أولًا وضع الخطة واتخاذ قرار بساعة البدء في الفض، استغرق وقتًا، حيث كان المجلس الأعلى للدفاع يعقد أيضًا اجتماعاته. وكان الدكتور البرادعي عضوًا فيه (بصفته نائبًا لرئيس الدولة)، وكان حاضرًا رئيس الجمهورية، المستشار عدلي منصور، وأنا بصفتي رئيس الوزراء بالإضافة إلى مجموعة من الوزراء.. وكان موضوع الاعتصام يُناقش في المجلس، وكان الدكتور البرادعي يقول رأيه في الموضوع، وإنه لا بد من إعطاء مزيد من الفرصة للوصول إلى حل سلمي. والأغلبية التي كانت موجودة في المجلس الأعلى للدفاع، وأنا شخصيًّا بصفتي رئيس وزراء في ذلك الوقت، كنت أقول لهم، إنه بعد فترة قليلة، وإذا لم تتخذ الوزارة أي إجراء يبين أن الدولة قادرة على فرض القانون على الشارع، فإنها ستفقد سلطتها بالكامل. وقلت أيضًا إنه لا يمكن السماح بتحدي الدولة علانية وبرفع السلاح.. هذا أمر غير مقبول. الدكتور البرادعي كان له رأي آخر يقول: إنه يجب إعطاء مزيد من الوقت.. وأنا أرى أنه صاحب حق في إبداء رأيه، وهو كان يخشى أن يتكرر ما حدث في الجزائر (من اقتتال بين المتطرفين والجيش استمر لعدة سنوات)، ويخشى من وقوع حرب أهلية بمصر تمتد لسنوات، أعلن البرادعي رأيه بصراحة في اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع، وكان مصرًّا على رأيه حتى النهاية، لكن المجلس، في مجمله، كان يرى أن الأمور جاوزت (كل حد)، وعليه اتخاذ القرار (بالفض).

كما نفى الببلاوي التصريحات التي قالها حسام عيسى بأنه (الببلاوي) نقل عن البرادعي موافقته تليفونيًّا على قرار مجلس الوزراء بفض الاعتصامين، قائلاً "كلام الدكتور حسام غير دقيق على الإطلاق".

لقد أصبح التعطش لشخص يتوافق عليه الجميع دافعًا لإجبار ذاكرتنا أن تنسى مسئوليته عن جرائم ارتكبت ودماء سالت أنهارًا، وأن ندعي أن ذلك الشخص برئ ونزيه وسيكون معه "الخلاص" بدلاً من أن يكون مطلبنا منه "القصاص".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع