المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمد عبدالجواد قاسم  Headshot

قط مخربش.. قصة واقعية

تم النشر: تم التحديث:

يحكى أنه كان هناك قط شاب "مخربش"، من هواة التسكع في الحواري والطرقات، عائلته فقيرة، تقطن في المخابئ المجاورة لمحلات الأغذية والمطاعم اللوكل التي يتميز بها الشارع الرئيسي في منطقة العباسية، ليس وسيماً جداً، لكنه قط قيادي شجاع، تهابه كل القطط وتخشى من موائه إذا تزمجر، وأنيابه إذا تنمر، وشاربه إذا انتفخت وجنتاه، ومخلبه إذا دب في الأرض، وروسيته إذا هب في السماء، متمرد أناركي، فكم ثار وتمرد على معيشة أسرته ووالديه وصمتهم عن حقوقهم أو جبنهم عن المطالبة بها والخنوع، ورفض وجودهم المهين ونظراتهم المستريبة أمام موائد الطعام في انتظار فضلات البشر.

خفيف الظل، يقف على ناصية الشارع كل ليلة هو ورفاقه للغناء واللهو والتراقص واللعب المفضل "المنديل" و"استغماية"؛ ليلفت انتباه جميلة من القطيطات العابرات، أو هرة هاي كلاس برفقة إحدى السيدات.

على قدر من الثقافة رغم ظروف تنشئته الاجتماعية الصعبة؛ حيث يقرأ الصحف يومياً عند كشك النفق، ويتابع الأخبار على المقهى وهو يحظى بشيء من دخان الشيش مع الجالسين، ويستمع للغناء في مناسبات متعددة، حفلات وموالد وسهرات.

يذهب للمكتبة العامة ويحضر دورات التنمية القططية، وهو أيضاً عبقري الخطط، ساحر التأثير، وطموح.

ذات ليلة وعدَ اثنين من أصحابه المقربين بأكلة جمبري ودنيس محشي في مطعم البرج بمدينة نصر، وقد أحكم وضع الخطة، اختبئوا داخل صندوق سيارة أحد العاملين بالفندق في منطقتهم، وكان يعلم أنها ستكون هناك مع سيدتها تلك الليلة، القطة السامية "بووبا" ذات العينين الرماديتين والشعر الأبيض الناعم المعطر والأنف الصغير المدبب والخدود الطازجة والشفاه البنية اللذيذة، والعقد الأزرق الجميل الملتف حول رقبتها بحرف B (كابتال) ذهبي، يتدلى على صدرها الطافر الطري، وفيونكة الشعر الحمراء الكبيرة المطرزة بالترتر الفضي،

رآها مرات عدة في سيارة صاحبتها الاسكودا الزرقاء حين تذهب لأهلها في الحسين مارة على العباسية ثم ميدان عبده باشا، وسمح له الاختناق المروري بوقت كافٍ ليشغل اهتمامها ويحظى بشيء من إعجابها؛ ليغازلها بالهمس بالآهات بالنظرات باللفتات بالصمت الرهيب. غنَّى لها "في كل الأماكن" بالفرنسية لفدوى الملكي و"أغداً ألقاك" لسيدة الغناء وأغنية فيلم تايتانك الشهيرة "In My Dream"، وقد نال قدراً محموداً من لفت انتباهها إليه، يبدو ذلك في ابتسامة بووبا الرائعة، وهي تنظر له من نافذة السيارة الأمامية المفتوحة لنصفها، خافضة نظارة الشمس التي تلبسها،

أو من تحريكها لذيلها حين يخف الاختناق وتتقدم السيارة معلنة الرحيل، من تمنعها المتوهج بالرغبة، يتمنعن وهن الراغبات، ومن إخباره أخيراً أنها تود أن تراه داخل سياج الحديقة الملتفة حول البرج.

ذهب في الموعد المحدد مع رفيقيه، حين لمحته في شرفة الفندق بالطابق الثاني استأذنت صاحبتها ونزلت معه للخارج تتمشى في غنج ودلال، يتراقص جسدها الانسيابي وتضطرب أردافها كالبندول، كان في انتظارهما القطان الآخران، أشار لهما، فوقفا عند مدخل الفندق الرئيسي لينبهانه إذا خرجت السيدة قلقاً على قطيطتها، تمشيا معاً ووقفا تحت ظل شجيرة زينة متوهجة تحت ضوء القمر وأضواء المصابيح الملونة التي تزين طوابق الفندق، أعجبت بشخصيته ولبقاته في الحديث وثوريته وكأنه مناضل يساري من أجل حقوق القطط المهمَّشة في المجتمع،

غنَّى لها:
هل رأى الحب سكارى مثلنا ** كم بنينا من خيال حولنا
ومشينا في طريقٍ مقمرٍ ** تثب الفرحة فيه قبلنا
وضحكنا ضحكة طفلين معاً ** وعدونا فسبقنا ظلنا

ثم أخبرها بالخطة التي دبرها، أن يسرق رفاقه مفاتيح سيارة أحد الجالسين بالقرب منهما -هي وصاحبتها- في الطابق الثاني، ويهربان في مكان متفق عليه، وبعد عجز تام عن إيجاده وقبل الاتصال بشرطة الحيوانات، ستتدخل هي وسيدتها لمساعدة الرجل، بعدها تطلب بوبا نجدته بسؤاله عن قطين أسودين سرقا المفاتيح، وهو واقف بالقرب من مدخل الفندق الرئيسي.

الكل ينتظر، انطلق، غاب لدقائق، تشاجر بعنف من بعيد، اختفى وظهر، ثم عاد، نجحت الخطة، وعادت إلى الرجل مفاتيحه، وقد كافأ القط الشجاع الخدوم بإرسال ديليفري كامل على عنوان أسرته وأصحابه الأوفياء، القطين الأسودين.

وجلس القط الطموح على كرسي وثير بجوار حبيبته أمامهما ترابيزة خاصة عليها ما لذ وطاب من السي فود، الجمبري الجامبو والاستاكوزا السوبر والدنيس وشربة الفواكه بجانب السلطات والطحينة والبابا غنوج والمياه المعدنية، بينما جلس على مائدة واحدة صاحب السيارة الشاب الثلاثيني الوسيم والمرأة صاحبة القطة التي فاتها قطار الزواج رغم جمالها وشهاداتها من GUC وغنى أسرتها. بداية سعيدة لكل منهما، الرجل يتغزل في الآنسة الكبيرة -ربما حاول من قبل لفت انتباهها ولو بابتسامة، خصوصاً أنهما من معتادي ارتياد البرج للعشاء- ويبدأ معها علاقة جادة، والقط المخربش يداعب بالمواء مشاعر حبيبته ويردد قفشته الجميلة في كل مرة تسنى له فيها رؤيتها: NOW، وغمز لها.

لم تصمت كالمعتاد أو ترد بالنفي متمنعة: NO NOW، بل قالت وهي تمد رقبتها نحوه: YA NOW، فطبع قُبلة جميلة عليها، بينما شفاه الشاب الثلاثيني تقترب من يد السيدة، طبع قُبلة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.