المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد اللطيف Headshot

قانون إرهاب الدولة

تم النشر: تم التحديث:

تمارس دولة السيسي كل ما يمكن ممارسته لحماية نفسها من السقوط، غير أنها تفعل ذلك بكل الطرق التي تؤدي إلى سقوطها. ما الذي يجعل نظامًا يلجأ إلى فرض "قانون التظاهر" إلا خوفه من التظاهر؟ ما الذي يجعل نظامًا يخاف من التظاهر إن كان هو نفسه جاء بالتظاهر؟ هل هو فقط الرغبة في السيطرة التامة بحيث لا شيء يخرج من قبضته؟ أم أنه الخوف من السقوط المتوقع؟ ربما يكون وصول النظام الحالي للسلطة عبر تظاهرة 30 يونيو ومن قبلها ثورة يناير ما يدفعه للخوف من التظاهر، من أي أصوات خارجة عن السرب، حتى لو كانت هذه الأصوات تؤذن في مالطا. ويبدو أن النظام المصري الحالي قد استفاد كثيرًا من سنوات الثورة الماضية، إذ لم يعد يستهين بوسائل التواصل الاجتماعي، ولا بالصحافة ونشر الأخبار، ولا بالتجمعات حتى ولو كانت صغيرة. وتحسبًا لأي تمرد، لا يفوّت همسة هنا أو هناك ألا ويتوقف عندها ليعرف ما دلالاتها ونواياها.

هنا بالتحديد وجد نظام السيسي نفسه في حاجة طارئة لتحصين نفسه أكثر، بامتلاك صك محاربة الإرهاب، ليس فقط عن طريق تفويض شعبي، بل بالقانون. السلطة تحارب الإرهاب بالقانون. تعتقل بالقانون. تنفذ أحكام الإعدام بالقانون. ثم، بالطبع، تصادر الصحف بالقانون، وتحبس الصحفيين أو تحتجزهم لدفع غرامة بالقانون. قرر السيسي أن ينشيء دولة قانون، لكنه القانون المعادي لكل حقوق الإنسان وحريته، وحرية التعبير والصحافة. القانون الذي ينفي أصلًا وجود دولة، ليؤكد أننا في زمن ما قبل الدولة. أنشأ قانونًا موصوفًا بأنه قانون الإرهاب، رغم أنه قانون إرهاب الدولة. وهو الوجه الآخر للإرهاب الذي لا يمكن لأحد أن يتكلم عنه.

تنص المادة 35 من قانون الإرهاب الجديد على أنه "يعاقب بغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف كل من تعمد بأي وسيلة كانت نشر أو إذاعة أو عرض أو ترويج أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أعمال إرهابية وقعت داخل البلاد، أو عن العمليات المرتبطة بمكافحتها بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع".

بذلك، يجعل القانون سلطة الصحافة ونشر المعلومات في يد الجيش، وأي معلومات مخالفة هي بالضرورة، بحسب القانون، معادية للدولة، رغم ان تنوع مصادر المعلومات عمود أساسي في الصحافة، خاصة أننا لم نعرف حتى الآن العدد الحقيقي ضحايا ثورة يناير ومظاهرات محمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو ورابعة، لأن الأعداد بحسب المصادر الحكومية عادًة ما تأتي مخالفة لشهود العيان. السيء في الأمر، كذلك، هو هذا النوع من الإرهاب الذي تبثه السلطة في وسائل الإعلام الاجتماعية، إرهاب ستكون نتائج حتمًا الخضوع حتى لما لا يمكن تصديقه بالعقل والبرهان.

بعصامية شديدة في الحماقة، تسير دولة السيسي إلى الغرق، وبدلًا من أن تكون فترته الميمونة فترة انتقالية ندفع مراراتها من أجل تخطي الصعاب الاقتصادية والتسلّح من أجل الخطر الداعشي وإعادة حساباتنا فيما يخص الإسلاميين، نجد أنفسنا عرايا من حرية المعارضة وحرية التعبير، لنسير مثل قطيع واحد نحن الهاوية، يقودنا رجل، رغم أنه يعلم أنه أعمى، إلا أنه يصر على أنه مبصر. أعمى أيضًا من لا يقرأ التاريخ ولم يتعلم من تجارب الدول الأخرى، من يصر أن يبدأ دائمًا من الصفر لينتهي مصيره في نفس الخانة. لقد انتهت الدولة العسكرية من العالم، وانتهى حكم الفرد ولو كان إلهًا، واتفق العالم بشكل قطعي على أنه ما من وسيلة لتقدم الشعوب إلا بالديمقراطية وتداول السلطة وإتاحة أكبر مساحة ممكنة من الحرية وحرية التعبير. غير ذلك، سنكون في طريق مخالف. غير ذلك سنكون في طريق الغرق.