المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد اللطيف Headshot

وزير الثقافة عسكري بعباءة دينية

تم النشر: تم التحديث:

تعلم السلطة، أي سلطة، أهمية وزارة الثقافة وقدرتها على التأثير ونشر الوعي، أو التأثير بالسلب ونشر الجهل أو العمل على التغييب. تعلم السلطة إمكانيات الوزارة من خلال مسارحها ومعارضها الفنية وكتبها ومكتباتها، وقدرتها في الوصول لأقصى المناطق النائية. لذلك، تختلف استراتيجيات وزارة الثقافة بحسب السلطة، رغم أن وزارة الداخلية، أو الدفاع أو العدل، لا تختلف استراتيجياتها أبدًا، مهما تغير الرئيس ومهما تغيرت الحكومات. و"الثقافة" المصرية مرت بحالتين على طول تاريخها، إما استغلال السلطة لها لنشر أفكارها من خلالها، وإما التعامل معها بازدراء بحيث تتوقف عن عملها أصلًا، فتبدو كوزارة مغلقة، كأبنية مغبّرة، كجثة هامدة، باستثناء مجهودات فردية هنا أو هناك لا يمكنها أن تترك تأثيرًا كبيرًا يساهم في تثقيف المواطن. ورغم أن الحالة الثانية سيئة، إذ يُحرم فيها المواطن من حقه حتى في الحد الأدنى من الثقافة، إلا إن الحالة الأولى هي الأخطر، إذ تعمل على تغييب العقول ونشر الزيف، والإيهام بتقديم منتج جيد رغم أنه مسموم. وهذا الحالة تحديدًا هي ما تمر به الوزارة المصرية الآن، في هذه اللحظة تحديدًا.

أطلق عبد الفتاح السيسي، الذي يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن إسلامه ووصفه بأنه وسطي عقب توليه السلطة حتى لا يتهم بالكفر -حسب ظنه- من أتباع التيارات الإسلامية، والذي يستخدم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في خطابه بشكل ملفت، دعوة منذ عدة شهور لـ "تجديد الخطاب الديني". أوكل السيسي المهمة للأزهر، في إشارة لا تخفى على أحد لكسب السلطة الدينية الثابتة وضمها للمعسكر العسكري، وهي الطريقة التي يتبعها كل طغاة العالم على مر التاريخ، إذ لا يمكن لسلطة عسكرية أن تتقدم في خطواتها دون سند الكهنة، وفي نفس الوقت إلى وزارة الثقافة، وليس إلى المثقفين، أو المفكرين في الشأن الإسلامي أو المنقبين في التراث الديني. هنا كان من المناسب أن يتولى الوزارة رجل أزهري، يرتدي البذلة غالبًا فوق العباءة، ويخفي لحيته الطويلة تحت ابتسامة باهتة، ويداري رجعيته واحتقاره للمرأة وراء مزحة (إذ أهان موظفة بمتحف محمود سعيد بالإسكندرية بسبب وزنها، وقال إنه لا يحب التخان). نفس الوزير يقدم الآن على استخدام المساجد لعقد ندوات ثقافية، بعد اتفاقية مع وزارة الأوقاف يُسمح بمقتضاها بنشر الثقافة عبر المساجد، مع أن وزارة الثقافة تمتلك حوالي 250 قصر ثقافة موزعة من شمال مصر لجنوبها، صارت من كثرة هجرها بنايات مغبّرة يسكنها العناكب، ورغم انتشار المكتبات ودور النشر الخاصة التي تعقد مثل هذه الندوات. من ناحية، يمكن لوزير الأوقاف إصدار أوامر بمنع الخطاب الطائفي في المساجد، ومنع التحريض على العنف والدعاء بالموت والحرق على غير المسلمين؛ ومن ناحية أخرى يمكن لوزير الثقافة أن ينشر الوعي من خلال الأماكن الثقافية المخصصة لذلك، بل وحتى النزول إلى الشارع ودعم أنشطة مثل "الفن ميدان"، وهي مبادرة أهلية. المفزع في الأمر أن وزير الثقافة الذي دعا لاستغلال المساجد لنشر الثقافة لا يرى إلا الرجل المسلم السني، دون أن ينتبه، ولا أخبره أحد من مستشاريه بذلك، أن المجتمع المصري يتكون من رجل وامرأة، من سنة وشيعة وبهائيين ولادينيين وملحدين، وأن من حق المواطن أن تصله حصته في الثقافة بغض النظر عن دينه أو نوعه.

عبد الفتاح السيسي أطلق دعوة لتجديد الخطاب الديني، ووزير الثقافة فهم أن هذا التجديد سيكون بنقل الثقافة لدار عبادة المسلمين، رغم أن دور "الثقافة" هو التثقيف، دعم الفرق المسرحية المستقلة ماديًا ولوجيستيًّا، دعم السينما، نشر الكتب الأدبية والفكرية والفلسفية، وبالطبع تنقية التراث الإسلامي، على طريقة المفكر نصر حامد أبو زيد، من الشوائب التي تؤدي إلى التطرف والإرهاب، والتي أيضًا تمزج السلطة السياسية بالسلطة الدينية.
ولمزيد من تقديم فروض الطاعة، صادر مدير المركز القومي للترجمة، بأمر مباشر من وزير الثقافة عبد الواحد النبوي، كتابًا مترجمًا عن الفرنسية يتناول ثورة يناير وما بعدها، لأن الكتاب، بحسب بيان الوزارة، وصف "أحداث ماسبيرو"، التي اعترف الجيش بأنها مذبحة في حينها وفي بيان رسمي، بـ "مذبحة ماسبيرو".

لقد تحول النبوي، في أشهر قليلة، من مجرد ذراع للسلطة إلى خادم يقدم فروض الولاء، لا يعمل فقط من أجل الحكومة التي عينته، بل يزايد على هذه الحكومة بتقديم ضحايا جدد. يفعل ذلك من تلقاء نفسه، متسقًا تمامًا مع أداء الحكومة التي اختارته، دون أن يدري أن منصبه من أجل الشعب وليس من أجل الدولة، وأن السلطة في حقيقتها للشعب وليست للرئيس.