المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عبد الفتاح  Headshot

مقدمة قصيرة جدًا حول مشكلات النشر في مصر

تم النشر: تم التحديث:

تُعاني مهنة النشر في مصر من عدة مشكلات أساسية تعود أساسًا إلى غياب النخبة الثقافية الحقيقية المستقلة، ويتعلَّق بعضها الأخر بالجانب التجاري من المهنة. وتهدف هذه المقدمة القصيرة إلى التعريف بأبرز تلك المشكلات.

أولاً: انحدار المستوى العام لما يمكن تسميته الثقافة المصرية مع انتهاء عصر المفكرين الكلاسيكيين، بل والجيل التالي لهم تحديداً مع بداية الألفية الجديدة تحت وطأة عصور الاستبداد والقمع المتطاولة، مع الانهيار الكبير لمستوى التعليم الذي تقدمه الدولة . فحتى التسعينيات كانت دور النشر الحكومية وبعض دور النشر الخاصة الكبرى تقدم منتجاً فكرياً مصرياً/ عربياً ومترجماً جاداً بدرجة كبيرة نسبة للفترة التي ستأتي بعد ذلك. لكن كل هذا انتهى، باستثناءات نادرة، مع بداية الألفية الجديدة على وجه التقريب، فقد أعلنت الألفية الجديدة نهاية غالب الأفكار القديمة وتحولِ معتنقيها عنها، أو تكلُّسِهم داخلها مع فشلها العملي في تقديم رؤية حقيقية للتغيير. واللافت أن وطأة الاستبداد وحدها لا تفسِّر ما حصل من انحدار، بل تغيُّر وجهته. فقد شهد العراق تحت حكم أحمد حسن البكر وصدام حسين في السبعينيات، ثم صدام حسين وحده بعد ذلك؛ نهضة ثقافية كبرى، وظلَّت إصدارات وزارة الثقافة السورية حتى وقت قريب تشي بمستوى راق للقائمين على عملية النشر الحكومي السوري، بل وكانت مصر نفسها في الستينيات تحت حكم عبد الناصر مركزاً مهماً من مراكز النشر الحكومي في العالم العربي، وإنْ هرب الناشرون غير الحكوميين منها إلى بيروت هرباً من استبداد السلطة الناصرية. وما إن تخلَّت دولة يوليو عن حاجتها إلى التبرير الأيديولوجي لوجودها ومهمتها حتى انحدرت الثقافة التي تحكمت فيها طويلاً إلى ما نراه الآن. وتحول مركز النشر في العالم العربي إلى بيروت وبعض دويلات الخليج مؤخراً، مع استقطابها لأكثر مفكري العالم العربي جدية وإبداعاً في جامعاتها ومراكزها الثقافية والبحثية حديثة النشأة والتكوين.

ثانيًا: غياب الناشر الملتزم بخط فكري معين، أو المتخصِّص في مجموعة معينة من المواضيع يربطها خط نظري واحد، بقطع النظر عن الناشرين الجامعيين، ينشر من خلاله مجموعة من الأفكار التي يؤمن بها ويحرص على تعريف عموم الناس بها بما يسمح بتكون نخبة جديدة توسع الخيال السياسي للمجتمع بشكل يجعل عملية تكوين بدائل لمستقبل عملية التغيير ممكنة. وكان من الطبيعي أن يتحول النشر بالتالي لمسألة تجارية بحتة مع بداية الألفية أيضًا. وربما كان انفجار عدد دور النشر الجديدة التي دخلت السوق منذ عام 2005 تقريبًا، مع بداية الحراك السياسي المُناهِض لمبارك عاملاً إيجابياً في ذاته. لكن للأسف بعد عشر سنوات من التجربة يمكننا القول إننا نسمع ضجيجاً ولا نرى طحيناً، فالاهتمام بالنشر مركز على الأدب، وأنواع معينة من الأدب. وكان مما زاد الطين بلة بداية عصر سلاسل المكتبات وظهور بدعة الأكثر مبيعاً، وظهور عدد من دور النشر التي لا تهتم بالتدقيق في منشوراتها قدر ما تهتم بالمشاركة المادية للكاتب في تكاليف إنتاج كتابه بحيث أصيب سوق النشر بتخمة انتاج دون أن يعني هذا نقلة فكرية ومعرفية حقيقية، ثم انتهى الأمر إلى أن بعض كبرى دور النشر وقعت في نفس المحظور وتركز اهتمامها تقريباً على نفس مجالات الأدب الذي أصبح غالباً على إنتاجها. وكانت القاصمة أن كل أحدٍ أصبح يستطيع النشر حرفياً حسب قدرته المالية، وليس حسب جدة ما يقدمه وفائدته، بعد أن اختفى من يمكنهم تقييم ذلك. ورغم أن هذا الداء قد بدأ كدواء لمشكلة ارتفاع كلفة عملية النشر إلا أنه تحول الآن إلى منظومة كاملة تقوم عليها عدة دور نشر أساء بعضها استخدام ذلك إما من خلال خداع المؤلفين وعدم الالتزام ببنود اتفاقاتهم، أو من خلال عدم التدقيق في منشوراتها مادام المؤلف سيدفع، وأصبح ما يحصل عليه الناشر من المؤلف هو مصدر ربحه الرئيسي بدلاً من التوزيع، وضاع أصل أن الناشر يجب أن يدفع للمؤلف لا العكس، وأن الناشر يتحمل كامل كلفة عملية النشر فكانت الكارثة.

ثالثًا: مشكلة التوزيع، كان الكتاب أول سلعةٍ صناعية تُنْتَجُ إنتاجاً جماهيريّاً ضخماً على الطريقةِ الحديثة كما يقول بندكت أندرسن، ودون شبكة توزيع جيدة يفقد الناشر ، بل تفقد مهنة النشر نفسها معناها. وعلى هذا الصعيد يُعاني سوق النشر في مصر بشدة من تخمة العناوين، مع ضعف توزيعها وبالتالي ضعف إنتاجها من جهة عدد النسخ في كل طبعة لعدم وجود شبكة توزيع قادرة على توصيل الكتاب لجميع أنحاء الجمهورية باستثناء شبكة التوزيع الحكومية واسعة الانتشار ضعيفة الكفاءة للأسف. ورغم أن بعض الهيئات الثقافية الحكومية اعتادت تنظيم معارض دورية في أغلب محافظات الجمهورية إلا أنها للأسف معارض فاشلة من جهة تنظيمها والدعاية لها بل لا يوجد جدول زماني ومكاني محدد لها فلا يتبقى أمام الناشر المصري سوى معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير/فبراير من كل عام، ومعرض الإسكندرية الدولي للكتاب الذي يليه في فبراير/مارس من كل عام، ثم أخيراً معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في مارس/أبريل من كل عام. أما بقية العام فعلى الناشر إما أن يعتمد على المعارض الخارجية، أو يبذل جهوداً مستقلة بالاشتراك مع عدد من الناشرين لتنظيم معارض مصغرة مع ضعف الإمكانيات والدعاية. ودون قدرة على إتاحة الكتاب/الفكرة لأكبر عدد ممكن من القراء يفقد الناشر أي معنى لمهمته التنويرية.