المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عباس الملجمي  Headshot

بوصلة السياسة الخليجية

تم النشر: تم التحديث:

لتوّي كنت أنهيت قراءة ورقة سياسية، تُعنى بدراسة العلاقات الخليجية مع محيطها السياسي، وخصوصاً تركيا.

ومع أن الدراسة عُنيت بالعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي كلاً على حدة من جهة، ومن جهة أخرى بأبعادها مع الجارة "تركيا"، إلا أن أمراً مهماً من خلال تلك الدراسة ذهب بي بعيداً عن سياقها وأبعاد محتواها، وربما ذلك الأمر يعد من أهم المعضلات التي تعاني منها بوصلة السياسة العربية، وخصوصاً دول الخليج العربي.

في الحقيقة لم يعد التعويل مجدياً كما كان سابقاً في مطلع الخمسينات والستينات على عامل العتاد والعدة، كما أصبح اليوم التركيز الأهم بشكل كبير على وضوح الرؤية السياسية وأبعادها الاستراتيجية للدول، حتى وإن كانت تلك الدول صغيرة الحجم والعتاد، بغض النظر عن اختلاف توجهات تلك الرؤية، هل هي مع أم ضد المشروع العربي الإسلامي ولحمته؟ غير أن الوضوح بحد ذاته في تلك الرؤية أصبح اليوم عاملاً مهماً، تلعب به الكثير من دول المنطقة الناشئة مؤخراً، والتي باتت تلعب دوراً مهماً في رسم سياسات الكثير من دول المنطقة العربية والإسلامية الكبرى.

على غرار مركزية السياسة العربية التي كانت تُديرها مصر، وجناحاها العراق وسوريا في مطلع الخمسينات حتى بداية التسعينات، يبدو أن ملامح فصل جديد من السياسة العربية باتت ملامحها خليجية بحتة، مع تبعية عمياء من الوصيف السابق لذلك الدور، الذي كانت تشعله "مصر" والغياب التام لسوريا والعراق، ويعود الأمر في عدم أهلية مصر لذلك الدور إلى التالي:
أولاً : أن أمر مصر بات مفروغاً منه، فقد باتت أم الدنيا اليوم عبارة عن منديل معطر في عباءة السيسي، يأوي بها كل يوم في فراش، مما جعلها محل سخرية من بين دولة المنطقة، الأمر الذي أزاحها عن الدور المنوط بها، والذي كان قد أكسبها لقب "قبلة السياسة العربية".

ثانياً:
الأرضية السياسية الهشة، التي جعلت الساحة السياسة المصرية اليوم خالية من أي ملامح ديمقراطية رشيدة، ملامح يمكن القول عنها إنها تبعث بوادر الأمل بعودة مصر إلى وضعها الصحي الطبيعي على المدى القريب.

ثالثاً: الأخطاء الفادحة التي كبلت السياسة المصرية منذ أن جاء انقلاب العسكر في 2013 إلى السلطة، والتي زادت مصر بعداً أكثر عن محيطها العربي، وتتمثل في:
- الارتهان السياسي الخارجي التام.
- ارتفاع المديونية المصرية الكبيرة.
- الاختراق الخارجي لأجهزة الأمن والاستخبارات المصرية من قبل الكيان الصهيوني.
- فزاعة تنظيم داعش في شبه جزيرة سيناء.
- بيع جزيرتي تيران وصنافير.
- توقيع اتفاقية سد النهضة مع إريتريا.
- القمع والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان.
- حظر جماعة الإخوان المسلمين، وإعلان طائفة كبيرة من الشعب المصري كإرهابيين.
- إعلان حماس منظمة إرهابية، ودعم الفرقة الفلسطينية لصالح مشروع الاحتلال.
- المشاركة في حصار دولة قطر.
- الدعم المصري للجماعات المسلحة في دارفور لزعزعة السودان.
- التحالف مع ألوية خليفة حفتر في ليبيا.

بينما اكتسب الدور الخليجي اليوم إدارة دفة السياسة العربية، ليس لأنه يملك نفس المقومات التي كان يملكها الدور المصري سابقاً، بل يتمثل ذلك في التالي:

أولاً:
تقاطع مصالح الدول الكبرى في ذلك الحيز الجغرافي المهم، الأمر الذي يضع الكرة في ملعب السياسة الخليجية.
ثانياً: فوبيا الخوف الخليجي من المشروع الإيراني وتنظيم داعش في المنطقة، الأمر الذي دفع الجميع إلى البحث عن التحالفات ولو على حساب القواسم المشتركة بين دول المنظومة الخليجية، مما جعل تلك الدول في محل ابْتِزاز سياسي جعلها تنفذ الأجندة المطلوبة منها، وخير دليل ما حصل لدولة قطر من حصار.

ثالثاً:
غياب الأقطاب الثلاثة التي كانت تُمثل فيما مضى، ما يمكننا القول عنه رؤية سياسية موحدة "القومية العربية"، وإن كانت تلك الرؤية مشوشة إلى حد ما وهي "مصر- العراق - سوريا".

رابعاً: وقوف غالبية دول الخليج العربي عدا قطر ضد ثورات الربيع العربي، مما جعل بعض دول الخليج محل ثقة من قبل المعسكر الغربي، والذي بدوره أسلمها دفة القيادة.

ولكن ما يشوب تلك الأهلية الخليجية أن البوصلة ستظل مفقودة دوماً، فالناظر اليوم إلى ميدان السياسة الخليجية، سيجد تناقضات وتخبطاً مهولاً في تلك السياسات، والأهم من كل ذلك، هو غياب الرؤية السياسية السعودية على وجه الخصوص؛ لكونها القوة الكبرى اليوم في المنطقة من ناحية، ومن ناحية أخرى لقدسية أراضيها في قلوب الشعوب المسلمة.

بشكل سريع يمكن قراءة بوصلة السياسة الخليجية على النحو التالي:

"قطر"
تتمثل سياسة قطر في دعم الإسلام السياسي، والانضواء تحت مظلة تحالف إسلامي يكفل خيارات وتطلعات الشعوب المضطهدة، التي عانت الأمرين منذ أن خرجت تلك الشعوب من عباءة الاستعمار حتى اليوم، كما تطمح إلى أن يقيها ذلك التحالف من أي أطماع أخرى، الأمر الذي جعل قطر رقما صعباً في ذلك المسار.

"الإمارات"

تتمثل سياسة الإمارات في قمع الإسلام السياسي، والسعي إلى لبرلته وفق معايير جديدة، وضمان عدم وصوله إلى كرسي الحكم، كما تسعى إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وتنفيذ الأجندة الغربية بالوكالة، حيث تجد الإمارات نفسها ذا زعامة في ذلك المسار.

"الكويت"

تنتهج الكويت سياسة التقارب وجمع وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، سواء بين دول الخليج فيما بينها، أو بين دول الخليج ودول أخرى خارج المنظومة الخليجية، غير أنها أحياناً تنتظر إعلان المنتصر.

"البحرين"
تظل سياسة البحرين مرتهنة بسياسة الجارة الكبرى السعودية، فأينما حلت السياسة السعودية تجد البحرين خلفها تماماً؛ لكون السعودية حامي حمى البحرين.

"سلطنة عمان"
بشكل عام يغلب على سياسة السلطنة الطابع الحيادي، وربما قامت ببعض الوساطات التي تصنع لها صدى سياسياً خارجياً بسيطاً، غير أنها تفضل الحياد في الكثير من المواقف.

"المملكة العربية السعودية"
سيقول البعض: لماذا تأخر ذكر ملامح السياسة السعودية؟ في الحقيقة تعد أهم سياسة يجب أن تُطرح للنقاش، وهي المغزى الحقيقي لهذا المقال، فالسؤال الذي يجب البحث له عن إجابة، ما هي الرؤية السياسية للمملكة السعودية؟
من خلال كل ما ذُكر، ربما يمكنني القول: "لا شيء"، المزيد من التخبط، وهو الأمر الذي الذي دفعني لطرح هذا النقاش المطول.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.