المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد عباس الملجمي  Headshot

صوت العقل بين التسيير والتخيير

تم النشر: تم التحديث:

يذكر الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه دستور الأخلاق في القرآن (27)
معنى أن يستنصح المرء نفسه: "أي أنّ يقرأ في كتابِ فطرته الإنسانية النّقية، ما سبق أن فطرها الله عليه، أي أنّه حينما يرجع أشدّ النّاس كفراً وإلحاداً إلى سلطان العقل، فإنّه في الواقعِ لا يفعل سوى أن ينّصت إلى الصوتِ الإلهي الذي يتكلم داخل كل منّا دون أن يذكر اسمه، بينما يذكر اسمه صراحة عنّدما يتحدث إلى المؤمن".

يعيش العقل اليوم في بحرٍ مِن الأصواتِ التي لا حصر لها، وحركة استقطاب فكري مهول، وطفرة هائلة مِن المعلوماتِ والمعرفة، والوسائط المتعددة، الّتي لم يسبق لها مثيل، أصبحت المعلومة متوافرة وسهلة الوصول، لمجرّد كبسة زر تُسرد لك مئات المصادر، والأقوال، والآراء، وأوجه الخلاف عمّا تبحث عنه.

ربما قديماً كانت العقول تُعاني مِنْ ندرةِ المعلومة، وتلك مشكلة ما زالت تُعاني منها بعض العقول حتّى اليوم، ولكن في وجهةِ نظري فإن العقل البشري صار اليوم أمام مشكلة تعدّ أهم وأخطر مِن الأولى، وهي الكمّ الهائل مِن تدفقِ المعلومات، في عالمٍ مفتوح أصبح كل شيء فيه متاحاً ومتداولاً ومُتغيّراً، في ظل غياب تقنين نشر المعلومة، ومراعاة حقوق الملكية، وعدم معرفة الصح مِن الخطأ.

السؤال الذي يلازمني إزاء كل ذلك:
مَنْ منَّا ما زال يستفتي عقله عمّا يريد فعله وتركه؟
مَنْ منَّا لا زال يستخدم بنات عقله حول الإيمان ببعض المُسَلَّمات والمبادئ والآراء الخلافية؟

حينما أقول يستفتي عقله، أنا لا أعني بذلك عقله المؤدلج، أو المؤطر، أو العقل بكيفيته المركبة، مِنْ خليط الأصوات التي يسمعها كل يوم، ولا أعني بذلك العقل المادي، الذي أصبح يرى نفسه حاكماً وسلطاناً مطلقاً على كل شيء، بل أعني بأنَّ يستفتي صوت عقله الحقيقي، الصوت الفطري السليم، الصوت الإلهي الذي فطره الله عليه في أول يوم.

بعيداً ذهبت بنا الثورة المعلوماتية، وحركات الاستقطاب الدينية والفكري والسياسي، نحو تشكيل العقول الاتكالية، نحو الحلول الجاهزة، وإغفال العقل عن التفكيرِ والإبداع، مما سهل ظهور حالة اغتراب وعزلة بين الوظائف الأساسية للعقل، والوسط المحيط به.
في نظري أن رجل الأدغال في الغاباتِ الاستوائية، يعيش حالة اِنسجام مع ذاته، أكثر مِنْ تلك الحالة الّتي يعيشها رجل العالم الحديث، والمدن المتطورة والتكنولوجيا الحديثة
، والسبب أن كمية المعرفة الهائلة جعلت المرء يقضي جُل عمره باحثاً عمّا يريد، بين هذا الكم المهول مِنْ المعلوماتِ والأفكار، مِمَّا صنع حالة تشوش معرفي، خلقت انفصاماً حاداً بين الإنسان وذاته، جعلت العقل البشري لا يسّتقي المعرفة الحقيقية مِنْ منابعها، أو يُجهد نفسه في سبر أغوار الفكرة ومقاصدها، فلا حرج أن تجد معدلات مرتفعة على محرك البحث Google وصلت إلى ملايين المرات، لأسئلة ساذجة أغفلت العقل عن الدّور المنوط به نحو ما يريد، مِنْ بين تلك الأسئلة" مَنْ أنا؟ ماذا أريد؟ ما هي الحياة؟ كيف أفكر؟ كيف أخطط؟.. الخ، وفي المقابل لا حرج أيضاً أن ترى الآلاف مِنْ البشر تموت، في سبيلِ رجل يدعي أنّه مِنْ نسلِ آل البيت، وآخر ينشد الخلافة الإسلامية على جثثِ الأطفال والنساء.
بمعنى أنَّ تُغفل صوت العقل الذي بداخلك، عما تود فعله وتركه، يعني ذلك أنَّك أسلمت عقلك لكل ما يهرف ويعرف به الآخرون، عنّدها فأنت تحمل عقلاً مسيّراً لا مخيّر.

ولو أنك أصخت السمع جيداً لذلك الصوت النّقي، الذي يهمس فيك، لوجدت أنّه الصوت الإلهي، الذي يُبدد عتمة ضجيج الأصوات، ولعرفت المعنى الصحيح لقوله "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم"، فالعقل الفطري السليم، لا تليق به حياة الدراويش، ولا تليق به التبعية العمياء، حتّى إنَّها لا تصلح له الأفكار الجاهزة، ما لم يُبدِ فيها رأيه ونقده.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.