المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد فتحي Headshot

"الكوسة" مأكل ومبدأ ومنهجًا

تم النشر: تم التحديث:

منذ الصغر وأنا أحب معظم أصناف الطعام، إلا قليل لا أشتهيه مثل "الكوسة" ولا يروق لي أن أراها أمامي على طاولة الطعام أصلًا، والعجيب فى الأمر أن والدتي فى كل مرة تقوم بطهي "الكوسة" ، كانت تتفاجئ وتكتشف أنني لا أشتهي أكلها يومًا قط، بالرغم من علمها بذلك منذ سنوات عديدة، وكانت حجتها أنه لابد من تناولها حتى أكبر ويشتد عودي، وبالرغم من صحة وجهة نظرها، إلا إنها لم تلتفت أن هناك أصناف أخرى أحبها وقادرة أيضا على تحقيق الهدف فى زيادة النمو.

لكن كانت تأتي أيام لم يكن أمامي طعام إلا هي ولم يكن لي خيارًا إلا أن أأكلها وأن أتنازل عن شهيتي وكل مبادئي حتى أنجو من الموت جوعًا، فبكل الطرق ستمر أكله الكوسة لعدم وجود بدائل.

نظام التعليم فى مصر أشبه بقصتي هذه : فنجد أن الوضع متشابهًا إلى حدٍ ما، فعلى مدار نحو 12 عام من التعليم قبل الجامعي كان الجميع يود أن يكن طبيبًا، أو مدرسًا، أومحامٍ أو غيرها من المجالات التي يفضل دراستها والتفوق والعمل فيها، ولكن هناك نسبة كبيرة ممن لم يحالفهم الحظ فى ذلك، لإن النظام التعليمي الذي يدرس فيه الطالب أملًا فى مجموع عالي يؤهله لإحدى كليات القمة، لابد أن تكن قاعدة "الكوسة" هي الحاكمة فيه.

فكم منا ظل يدرس ويجتهد وفى النهاية لم يحالفه الحظ فى أن يعمل ما يحب؟

كم منا كان يريد أن يصبح محاسبًا أو محامٍ أو مدرسًا ولكنه اختار أن يكن طبيبًا أو مهندسًا لإن مجتمعنا لا يمجد إلا هؤلاء؟

كم منا كان يريد أن يخدم وطنه ويحميه وأن يكن ضابط او قاضٍ ولكن الواسطة والمحسوبية وقفت سدًا أمامه؟

بالطبع كثيرًا منا لم يكن أمامه إلا أن يأكل "الكوسة" حتى لا يذهب مستقبله مع الريح .. جميعنا تنازلنا عن أحلامنا ومكانتنا الحقيقية، لمكانة أخرى قد لا نكون مجتهدين فيها أو نحبها من الأساس، وكأن وضع الشخص المناسب فى المكان المناسب مبدأ محرمًا تنفيذه فى مصر.

الجميع قام بتوجيه اللوم الشديد لوزير العدل السابق حينما قال "ابن عامل النظافة مينفعش يبقى قاضي، حتى لو شهادته تؤهله لذلك" وبعدها بأشهر قام الشباب بتوجيه لوم واعتراض لرئيس الوزراء حينما قال "الوظائف الحكومية انتهت وعلى الخريجين ان يعملوا على توك توك" بالتزامن مع تصريحات رئيس الكلية الحربية بأن" طلاب الكليات العسكرية هم قادة المستقبل، هم الوزاراء والمحافظين ورؤساء الجمهورية".

لنأخذ الأمور ببساطة، وأكثر تركيزًا نجد أن تصريحات الثلاثة بالرغم من انها مستفزة إلا انها حقيقية وتعكس سياسة التوريث الوظيفي الذي يعلمه جميع الشباب والخريجين، ولكننا نفضل ،ن نعيش جهلاء مجسدين دور الضحية متناسيين من هو السبب فى ظهور هؤلاء بتصريحاتهم جهرًا أمام الجميع ؟

بالتأكيد سنكون جميعًا من أعطى فرصة لهم، ودافعنا عن سياسات ظالمة مستبدة بصمتنا وتنازلنا عن حقوقنا وأحلامنا، نحن من يصنع فرعون فى كل مؤسسة، ورضينا بالتوريث الوظيفي، جميعنا اختار الصمت حتى أصبحنا نجد صعوبة فى الحصول على أبسط حقوقنا.

تغيير ذلك النظام العقيم بات حتميًا، إن أراد النظام النهوض الحقيقي بالأمة، فلابد ألا يجبر أحد على أكل "الكوسة" بحجة انها المناسبة والمفيدة، لإن هناك مجالات أخرى يستطيع أن يبدع فيها إذا أعطيته فرصة الإختيار الحقيقية دون إجبار أو عرقلة.

فلا النظام ولا أنا ولا أحد يستطع تحديد ما يناسبك أو ما لا يناسبك، لذا عليك الآن إما أن تختار حلمك وتقاتل من أجله مهما كان محصنًا بتوريث، أو عنصرية أو محسوبية .. أو تختار أن تأكل "الكوسة" والرضا بالذي لا يناسبك وانتظار يومًا يتم فيه توريثك أنت شخصيًا كالعبيد وكما تورث الوظائف الآن.

أو عليك بخيار مختلف تمامًا وهو ألا تجهد عقلك فى دراسة واجتهاد أكثر من 15 عامًا، وتختصر الطريق وتبحث عن "توك توك" للعمل عليه من الآن لإن غالبًا سيكون هذا مصيرك إذا اخترت الصمت ورضيت بالظلم الحكومي بعد سنوات من التعليم والخبرات.

لا تسألني كيف .. لإن كل ما أعلمه، أن فى الأمر "كوسة" ما.