المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد طالب ابريوش Headshot

العولمة الرقمية

تم النشر: تم التحديث:

عندما سمعت مصطلح "العولمة -Globalization" لأول مرة وأنا طفل في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، رسمت لها في ذهني صورة "القرية العالمية الصغيرة" التي تضم في ثناياها كل شيء وأي شيء ومن أي مكان في العالم.

وعندما بدأت الدول والحكومات بتنفيذ خطط العولمة وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة العالمية، وبدأت اقتصادات الدول بالانفتاح على بعضها البعض، وبدأ المستهلك يشعر بهذا الانفتاح الكبير والأثر الذي طرأ على الأسعار وتوافر السلع والبضائع المختلفة، شعرت أن العولمة ستقود مستقبل الاقتصاد العالمي، وأن أي دولة أو شركة ترغب بوصول تجارتها إلى العالمية والتجارة الدولية فلا بد لها أن تدخل مضمار سباق التجارة العالمي والانخراط بالعولمة، وإذا رفضت ذلك فمصيرها العزلة والمعاناة بالآثار السلبية على الاقتصاد والخسائر المالية الجسيمة.

ولكن مع بدء الثورة التكنولوجية ودخول العالم عصر الإنترنت في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وعلى مدار العقد الأول من القرن الحالي، توجه العالم نحو عصر الثورة الرقمية، فأصبحنا نجد مفهوم "الرقمية" مقترناً بكل شيء تقريباً في حياتنا العملية، فهناك التسويق الرقمي (Digital Marketing) والتحول الرقمي (Digital Transformation) والتوقيع الرقمي (Digital Signature) والهوية/الشخصية الرقمية (Digital Identity)، وامتد هذا الأمر ليصل إلى الإعلام الرقمي (Digital Media) والعملة الرقمية (Digital Currency) والتجارة الرقمية (Digital Commerce) والخدمات البنكية الرقمية (Digital Banking Services) والخدمات المالية الرقمية (Digital Financial Services) وحتى الحكومة الرقمية (Digital Government)، فأصبحنا الآن ونحن على مشارف نهاية العقد الثاني من هذا القرن نجد أنفسنا أمام مفهوم جديد للعولمة اندمج وتفاعل مع جميع المفاهيم الرقمية السابقة الذكر، وأنتج مفهوماً جديداً وهو العولمة الرقمية (Digital Globalization).

لا ينكر أحد أن الثورة الرقمية والتكنولوجية التي حصلت خلال الفترة الماضية غيّرت وبشكل كبير وملحوظ في العولمة وآلية عملها، فأصبحت المعلومات ودقتها وسرعة تدفقها بين الشركات والدول والحصول عليها عنصراً رئيسياً في نمو الأسواق العالمية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، بل إن التدفقات المالية بين الأفراد والشركات والمؤسسات والمنظمات والحكومات في أسواق المال العالمية أصبحت تعتمد على التدفقات المالية الرقمية من حسابات بنكية محلية وإقليمية ودولية؛ حيث يتم تنفيذ عمليات الإيداع والسحب والبيع والشراء رقمياً خلال ثوانٍ معدودة، وليس أياماً أو أشهراً كما كان الأمر عليه في الماضي، وظهرت أخيراً العملة الرقمية كعملة الـ(Bitcoin) وأصبح لها سعر بيع وشراء كأي عملة متداولة في العالم ويتم التداول بها في أسواق المال والعملات العالمية، وأصبحت بمثابة عملة افتراضية رقمية يتم من خلالها إنجاز صفقات دولية بين الشركات والأفراد، بل إن الأمر وصل إلى أن الكثير من دول العالم تقوم حالياً بدراسة إيجاد عملة رقمية جديدة خاصة بها، بالإضافة لعملة البلد الأصلية، الأمر الذي جعل الكثير من الخبراء يتوقع اختفاء العملة الورقية والمعدنية قريباً في بعض الدول، والاعتماد كلياً على العملة الرقمية في تعاملات التجارة العالمية.

وبالنظر إلى حجم التجارة العالمية اليوم الذي يعتبر من أهم المؤشرات والأرقام التي تتم مراجعتها لتقييم أداء التجارة العالمية لوجدنا أنه أصبح مقترناً بحجم التجارة الرقمية والإلكترونية بشكل كبير، فلو أخذنا على سبيل المثال عملاقي التجارة الرقمية والإلكترونية في العالم (Amazon) و(Alibaba) والأرقام الفلكية التي تجنيها هذه الشركات من أرباح، وذلك من خلال بيع السلع والخدمات إلى جميع دول العالم متجاوزةً بذلك أية حدود جغرافية تمنع عملها ومستغلةً التسويق الرقمي للمنتجات محلياً وإقليمياً وعالمياً والانفتاح الرقمي والإلكتروني الكبير على الأسواق العالمية والدولية (مالياً ولوجيستياً).

لقد أصبحت عملية انتقال وتدفق البضائع بين دول العالم أسرع وأسهل وأقل تعقيداً عما كانت عليه في الماضي، بل إنها أصبحت غير محسوسة أو ملموسة هذه الأيام.

الباحث اليوم بطبيعة المنتجات والسلع التي يتم بيعها عالمياً سيلاحظ أن شكل البضائع والسلع التي تصل إلى المستهلك اختلف عما كان عليه في الماضي، فأصبح لدينا اليوم البضائع الرقمية المتعددة مثل الملفات الرقمية للبرمجيات، وتطبيقات الهواتف الذكية، وملفات الأغاني والأفلام الرقمية، بل إن قنوات ونقاط البيع أصبحت رقمية وعالمية في نفس الوقت، فمتاجر الـGoogle Play والـApp Store ومتاجر الشركات الضخمة التي تسمح بتحميل مثل هذه المنتجات (مثل متجر Microsoft الإلكتروني على سبيل المثال) التي يمكن الشراء منها من أي مكان في العالم، خير مثال على ذلك، الأمر الذي ساعد العولمة على اختزال الحدود والتقريب بين الشركة المنتجة والمستهلك إلى نقطة الصفر، أي أنه لا يوجد أي وسيط بينهما لإتمام عملية البيع والشراء، بل إن الأفضل من ذلك أن الدول والحكومات أصبحت لا تتدخل في كثير من هذه الأمور لتحصيل رسوم أو ضرائب.

لم تتوقف العولمة الرقمية عند تغيير شكل المنتجات والسلع فقط، بل إن الخدمات تأثرت بذلك أيضاً، فنرى اليوم على سبيل المثال انتشار المنصات الرقمية والإلكترونية (مثل منصة شركة upwork.com أوfreelancer.com أو freelance.com)، التي تروج للموارد البشرية والخبرات التي تقدم الخدمات المختلفة بشكل عالمي وبأسعار تنافسية في مجال تكنولوجيا المعلومات والتسويق والتصميم الهندسي والخدمات المحاسبية والاستشارات والدراسات الإدارية والمالية والقانونية، وغيرها من الخدمات الأخرى؛ إذ إن هذا النوع من الانفتاح على الموارد البشرية ومهارات القوى العاملة من مختلف أنحاء العالم وفرّ فرصة للتنافس بين شركات ومؤسسات الأسواق النامية والناشئة، ولم تعد الحدود لها قيمة عند هذه النقطة، وأصبحت الموارد البشرية متنقلة وعابرة للحدود بشكل رقمي، فأصبح من السهل الآن لأي شركة في العالم أن توظف موارد بشرية وأشخاصاً بخبرات وكفاءات عالية، وفي أي مكان في العالم، بل وأصبح من الممكن لهذه الشركات التنافس بشكل أكبر في مجالاتها، وذلك من خلال تقليل التكاليف وزيادة جودة مخرجات خدماتها.

التعليم كذلك أصبح سهل الانتقال من بلد إلى آخر، ودخل مضمار العولمة الرقمية، فنرى المنصات التعليمية الرقمية (مثل coursera.org وedx.org وalison.com) منتشرة هذه الأيام لتقديم مختلف المواد التدريبية والمساقات التعليمية، بل أكثر من ذلك حيث يتم الآن توفير الشهادات والدرجات التعليمية من خلال التعليم عن بُعد، ونجدها متوفرة لجميع الأفراد في أنحاء العالم وبالمجان في كثير من الأحيان.

هذا الانتقال السلس والسهل والسريع للعلوم والمعلومات والتكنولوجيا بين دول العالم الذي سمح لمواطني الدول الفقيرة التواصل مع كبرى الجامعات العالمية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، والحصول على أرقى العلوم والخبرات الضرورية للتنافس بعالمية مع الموارد البشرية في دول العالم المتقدمة ترك الأثر الكبير في تقارب العالم علمياً بفضل العولمة الرقمية.

ما استعرضناه هنا ليس كل شيء، فالعولمة الرقمية تحمل في ثناياها تغييرات كثيرة ستطرأ في المستقبل القريب على آلية التدفقات المالية بين الأفراد والدول والحكومات، وعملية تبادل السلع والخدمات، بالإضافة إلى البيانات والمعلومات والموارد البشرية والخبرات، وسوف نرى قريباً التغيير الإيجابي الكبير الذي سيطرأ على اقتصادات بلدان كانت في الماضي تعتبر من الدول الفقيرة.

أما الدول والحكومات التي ستختار عدم الانخراط بالعولمة الرقمية، فسيكون مصيرها العزلة وإحداث فجوة كبيرة بينها وبين دول العالم، بالإضافة إلى الخسائر الجسيمة التي ستصيب اقتصاداتها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.