المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد سمير  Headshot

هل الديموقراطية تحتضر!

تم النشر: تم التحديث:

ارتأت منظمة «فريدَم هاوس» أن تعنون تقرييرها السنوي هذا العام، الذي تحلل فيه حال الديموقراطية حول العالم: «التخلص من الديموقراطية: عودة إلى القبضة الفولاذية». ويشير التقرير إلى أنه، في المجمل، كان هناك انخفاض عام في مستوى الحريات في العالم، للعام التاسع على التوالي. التقرير يبعث على التشاؤم بلا شك، ويجعل المرء يتساءل إن كانت الديموقراطية تتجه في الطريق الذي سلكه طائر الدودو المنقرض. بعض اليافعين من القراء قد لا يعرفون ما المميز في هذا الطائر، إذ لم نعد نتحدث عنه لأن أشياء أخرى - على غرار ترشّح كانيي وست للرئاسة، و أزمة المهاجرين إلى الغرب، حسبما كانت ميولك تأخذك - باتت تشغل خطابنا اليومي. هل الديموقراطية في طريقها إلى الانقراض؟ ألم نكن نظن، في صغرنا، أن دولنا الشرقية كانت ستلحق بالركب التحرري عندما نكبر؟ وها نحن كبرنا، ولكن الحال ازداد سوءاً. ربما ما كان يجدر بنا التمني، فيبدو أننا «نحسنا» العملية!

وبحسب تقارير «فريدَم هاوس»، بدأ هذا النمط في العام 2006، عندما ازداد عدد الدول التي حققت فيها «مكاسب» ديموقراطية، على عدد تلك التي منيت بـ «خسائر» في الحريات. ولم تسجّل المنظمة توازناً إيجابياً منذ ذلك الحين.

ويذكر التقرير أيضاً، بما لا يدعو إلى الاطمئنان على الإطلاق، أن عدد الدول التي أحرزت انخفاضاً في الحريات كان نحو ضِعف الدول التي أحرزت تقدماً - الضِّعف يا عالم! - ويوضح أن الأسباب وراء انخفاض بعض الدول في المقياس تتضمّن المراقبة من قبل الدولة الدولة (الأخ الأكبر يشاهدك)، وفرض قيود على تصفح الإنترنت (الأخ الأكبر يشاهد ما تشاهده أيضاً) وفرض قيود على الذاتية الشخصية (الأخ الاكبر يأخذك من يدك، يرافقك عندما تريد أن تتفسّح، ويعيدك إلى البيت قبل العاشرة مساءً).

ولكن الديموقراطية قد تكون في خضم أزمة وجودية من نوع آخر، نوع يضرب في عمق الفكرة الديموقراطية نفسها. يقول بيتر ماير، العالم السياسي، في كتابه «رولينغ ذا فويد» الذي توفي قبل إنهائه، إن «عصر ديموقراطية الأحزاب» قد انتهى، وإن الأحزاب السياسية باتت لا تستجيب إلى قواعد المنتسبين إليها. ويأتي في تقرير عن الكتاب لـ «لندن ريفيو أوف بوكس»، أنه على رغم أن دور الأحزاب في ما مضى كان «إيصال الإرادة والرأي الشعبي من المجتمع المدني إلى الحكومة»، إلا أن الساسة اليوم يعملون على الحصول على تأييد «عالمي»، مشيراً إلى مثال رئيس الوزراء الفرنسي الجديد، مانويل فالز، وهو اشتراكي، وأنه «أعلن في بداية ولايته أنه ليس اشتراكياً على الإطلاق».

ويذكر التقرير الحاجة إلى «ما بعد الديموقراطية»، وأنه اليوم، في أوروبا على الأقل، قد يمكن تغيير الطبقة الحاكمة عبر الانتخاب، ولكن لا يمكن تغيير السياسات. وفي المقابل، في دول مثل روسيا والصين، بالإمكان تغيير السياسات، ولكن لا يمكن التخلّص من الطبقة الحاكمة.

ويتابع تقرير «لندن ريفيو أوف بوكس» أنه، بحسب بعض التقديرات، أكثر من نصف القوانين المطبقة في الدول الأوروبية يأتي من بروكسل (الاتحاد الأوروبي)، ليكتفي أعضاء الحكومات الأوروبية المنتخبة بالتصديق عليها. وبهذا يتوضح كيف لم تعد الحكومات المنتخبة في الديموقراطيات الغربية تتمتع بالقوى التي كانت تمتلكها في السابق، عندما كان الانتخاب يُحدث تغييراً هائلاً في سياسة الدول، مثل تعيين هتلر رئيساً. ولهذا السبب، يقول التقرير، باتت الحكومات ترتاب من الشعوب وتمثيلها، وفي حال الاتحاد الأوروبي، كان البديل المعمول به هو «ميدان محمي» تقرر فيه النخبة القوانين، شريطة ألا تمثل هذه السياسات تغييراً جذرياً في حياة الشعوب.

وفي خاتمة سلسلة الوقائع الأليمة التي تطرحها «فريدَم هاوس» في تقريرها لـ 2015، قائمة صغيرة نسبياً باسم «الأسوأ من الأسوأ»، أي الدول التي أتت في قاع القائمة، وجاءت فيها جمهورية أفريقيا الوسطى، غينيا الاستوائية، إريتريا، كوريا الشمالية، السعودية، السودان، الصومال، تركمنستان، وأوزبكستان، إلا أن الدولة الأسوأ حالاً على الإطلاق، والتي حصلت على النتيجة الأسوأ في الـ 10 سنين الماضية، كانت سورية.

فإن لم تكن الإجابة على سؤال «هل الديموقراطية تحتضر؟» واضحاً بالنسبة إلى العالم ككل، فعلى الأقل في سورية التي يهجرها أهلها، الإجابة لا يجهلها أحد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع