المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد محمد أبوسن Headshot

أنهار الدم في بنغلاديش.. الأضحية وموسم الجنون السنوي

تم النشر: تم التحديث:

ما إن يطل علينا عيد الأضحى في كل عامٍ حتى تبدأَ حفلاتُ النواحِ والعويل في الشرقِ والغرب ويبدأَ معها تطبيلُ المرجفينَ بين ظهرانَينا كطقسٍ سنويٍّ لا بدَّ منه. إذ يشكلُ عيدُ الأضحى موسماً دسماً (حساً ومعنى) لهؤلاء لبث الافتراءات ونشرِ أفكارٍ أقل ما يُقالُ عنها إنها غيرُ منصفةٍ من حيثُ المنطلق والأهداف.

أولُ ما يطرقُ سمعك في الراديو في هذا الموسم وتشاهده بأمُّ عينيكَ في الفضائيات وتقرأهُ في وسائلِ الصحافة العالمية هو الأحاديث المكررةُ عن (وحشية) المسلمينَ الذين يذبحون ملايين الخرافِ والأبقارِ وغيرها دون رحمةٍ أو شفقةٍ في مظهرٍ لا يمتُّ للحضارةِ بصلةٍ.

"الملايينُ من الحيواناتِ المسكينةِ تُنحرُ إرضاءً لربهم الذي يُقال إنَّ أجلَّ صفاتهِ هي الرحمة. أينَ الرحمةُ في هذا الفعل؟"، "مشاهدُ الدمِ المراقِ في الشوارعِ مقززةٌ بحق"، "هذه التصرفات يجبُ ألاَّ تُوجدَ في عالمنا المتحضر ولا تمتُّ للتمدن المعاصر"، "هل شاهدتُّم أنهارَ الدمِ في بنغلاديش منظر يثير الغثيان"، إضافةً إلى العديد من الكليشهات الأخرى التي مللنا سماعها وإن كنت قد لاحظت (كمتابعٍ للصحافة العالمية المكتوبةِ باللغةِ الإنجليزيةِ) أن وتيرتها قد خفت هذا العام، ولكن ما حدا بي لكتابةِ هذه السطور هي العناوين العريضة التي كُتبت والصورُ التي نُشرت عن "أنهار الدم في بنغلاديش".

أولاً سأقوم بشرحٍ مبسطٍ لفقه الأضحيةِ في الإسلام من حيث المنشأ والأهداف، ثم سأقارنها ببعض السلوكياتِ المتبعةِ في الغرب وكيفَ تتناولُ وسائلُ الإعلامِ الغربيةُ و"المستغربة" كلا الحالتين.

الأضحيةُ في الإسلامِ شعيرةٌ دينيةٌ يقومُ بها المؤمنون امتثالاً لأمر اللهِ وتأسياً بفعل أبي الأنبياءِ إبراهيمَ الخليل عليه الصلاةُ والسلام.. وحكمها الفقهي يتراوح بين الندبِ في مذاهبَ والوجوبِ في مذاهبَ أخرى. والتصدقُ بشيءٍ منها للفقير مندوبٌ بجميعِ الأحوال، أيّ أن الفعلَ يقوم على دافعٍ وجدانيٍّ خيرٍ ويهدفُ إلى فعلٍ خير.

فالخيريةُ في الامتثال لأمرِ الخالقِ للمؤمنين أمر ذو بال والخيريةُ في التصدق على الفقراء أمرٌ خارجٌ عن دائرة النقاش، فالأضحيةُ عند المسلمينَ عبادةٌ على المستوى الفرديِّ وتكافلٌ على المستوى الجماعيِّ، وصلةٌ وتواصلٌ وتراحم وتعاضد بين الغنيِّ والمعوز، وإذا ما أخذنا بالحسبان المنافعَ الاقتصاديةَ التي تعودُ على البلاد والعبادِ لأيقنا أن الأضحيةَ خيرٌ كلها وتعودُ بالخيرِ على عموم الناس.

للأسف ليست هناك إحصائيات دقيقة لعدد الأضاحي في العالم الإسلامي ويعود ذلك لسببين: ضعفُ الإدارة الرقميةِ للمعطياتِ والمواردِ لدى الحكومات، ولأنَّ قسماً كبيراً من تلكم الأضاحي تتم عبرَ صفقاتٍ مباشرةِ بين المربينَ والمضحين دون ضبط العدد من مؤسساتٍ مستقلةٍ.

دعونا بالمقابل نقارن الأضحيةَ لدى المسلمين بتقليدٍ متبعٍ في أميركا الشمالية (كندا والولاياتِ المتحدةِ الأميركية) وهو (عيدُ الشكرِ). تعودُ جذورُه إلى إنجلترا وانتقلَ مع المهاجرينَ الأوائلِ إلى العالمِ الجديدِ. ومع نهايةِ القرن السادس عشر وبداية القرنِ السابعِ عشر بدأت هذه المناسبة تتخذ طابعاً ثقافياً يرتبط بالمستوطنين في العالم الجديد ليمسي بعد قرنينِ من الزمان مناسبةً تقليدية أميركية يختلط فيها الديني بالاجتماعي بالوطني.

يُعتبر عيدُ الشكرِ من المناسبات التي لا تزال تلقى رواجاً بين أميركيي اليوم في وقتٍ فقدت فيه الكثير من الأعياد والمناسبات الدينية رمزيتها وشيوعها لتُمسي أياماً عاديةً لا تشغلُ بالَ الكثيرين منهم.

وكما حافظ عيدُ الشكرِ على وجودِهِ وأهميتِه في حياةِ معظمِ الأميركيين، حافظوا هم بدورهم على تقاليده المحببة التي تجمع أفراد العائلةِ على مائدةِ العشاءِ وهنا يَكمنُ وجهُ التشابهِ الذي أودُّ طرحه.

درجتِ العادةُ على تقديمِ طبقِ (الدجاج الروميِّ المحمر) في أعيادِ الشكر ومضتِ الأيام والسنون بل والقرون وما زال الأميركيون يقدمون هذا الطبق على وليمة العشاء في هذه المناسبة. ولكي نعرفَ حجمَ الاستهلاكِ الضخمِ لهذا الطيرِ في عيد الشكر علينا أن نعرج على أحد التقارير التي نشرتها منظمة (بيتا) الأميركية التي تُعنى بالدفاعِ عن حقوقِ الحيوانِ والتي تتخذُ من ولايةِ (نيو فيرجينيا) مقراً لها.

ففي أحد تقاريرها الصادر في عام 2014 قدرت المنظمة عدد الطيور المذبوحة لغرض الاحتفاء بهذا العيد بنحو ثلاثمائةِ مليونِ طير في الولايات المتحدةِ فقط. في المقابل اعتمدت المنظمةُ ذاتها على تقريرٍ لإحدى مجلات عالم الأعمال في تقدير عدد الأضاحي في إحدى الدول الإسلاميةِ (باكستان) وقد قُدِّرَ العدد بعشرةِ ملايينٍ.

يحلو للكثير من وسائل الإعلام الغربيةِ عرضُ الخرافِ المسكينةِ وهي تُساقُ للذبحِ كما يحلو لتلكَ الجهاتِ أيضاً عرضُ مقاطع الفيديو التي تصوِّر المسلمينَ ذوي اللحى الطويلةِ والأثواب البيضاء وهم يقومون بنحر تلكم الخراف والأبقار بلا رحمة.

مشاهدٌ تختلطُ فيها ضحكاتُ المسلمينَ بدم تلكم الحيواناتِ البريئةِ. مشاهدٌ يُراد منها زرعُ تلكَ الصورةِ النمطيةِ للمسلمِ المتعطشِ للدماء في أذهانِ وعقولِ المشاهدين حتى تصبحَ حقيقةً لا تقبلُ النكران.

بالمقابل تصور وسائلُ الإعلامِ ذاتها الجلسات السعيدةِ للعائلةِ البيضاء الأنيقة بأفرادها القلائل المتحلقين حول ذلك الديك الرومي المحمر الشهيِّ. مشهدٌ يفيضُ بالسرورِ والسعادةِ السابغةِ، مع عناوينَ عريضةٍ تحملُ أجملَ التهاني والتبريكاتِ بمناسبةِ عيدِ الشكر.

لا يُمكنُ تفسيرُ هذا الخللِ الفاضحِ في التعاملِ مع الظواهرِ المتشابهةُ من حيثُ الجوهرِ والمختلفةُ من حيثُ المجتمعات وذلك الميزان المطَّففِ الذين يكيلُ بمكيالينِ إلا ببقايا العقليةِ الاستعماريةِ المعشعشةِ في العقلِ الباطنِ لدى معظمِ الغربيين. تلك النظرةُ القاصرةُ التي تقسمُ العالمَ إلى قسمين: (نحن) المتحضرون و(هم) المتخلفون.

كما أنَّ تلك العجرفةَ الباديةَ الواضحةَ والأسلوبَ الهجوميّ الذي تنتهجه بعضُ عقولهم حين التعاطي مع قضايانا ما هو إلا طيفٌ من تلكَ الحروب التي استعرت يوماً بين مسلمٍ آسيو/إفريقي ومسيحيٍ أوروبي.

وأما عقليةُ المستغربينَ من بني جلدتنا فمردها أيضاً إلى الحقبة الاستعماريةِ وعقدةُ النقصِ التي لازمت الكثير من أبنائنا حيث يثنون على كل ما هو غربي وينتقصون كل ما هو شرقي. يدورون في دوامةِ نكرانِ الذات. فلا هم سيصبحون غربيين يوماً ولا هم سيعودون كما كان أجدادهم (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء).

أخيراً إن بعض السلوكيات الخاطئة التي تُمارسُ في بعضِ الدولِ الإسلاميةِ أثناءَ الأضحيةِ يجب أن تُعالجَ باتخاذ تدابير من البلديات والجهات المعنية ومن خلال نشر التوعية المكثفة. بعد أن نعي أن التغيير للأفضل يحتاج إلى وقت وخطة عمل ومنفذين متفانين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.