المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبو راشد Headshot

السياسة الخارجية الروسية.. بعد عام 2000

تم النشر: تم التحديث:

يشير الخبراء في الشؤون الدولية إلى أن فقدان روسيا لدور الدولة العظمى جعلها تفقد الكثير من الاهتمام والمميزات التي كانت تجذب الكثير من الدول للتعاون والتحالف معها، وكسب ودها؛ إذ تعامل الغرب معها، كما يقول المحللون، بمنطق المهزوم، كما تعامل الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا واليابان.

يقول أحد الباحثين الروس: كان عهد الرئيس السابق "يلتسين" فترة مظلمة في التاريخ الروسي الحديث، وهي فترة شهدت انتشار الفساد السياسي، وانهياراً اقتصادياً هائلاً، أدى إلى ظهور الجريمة المنظمة، أو ما يعرف بالمافيا الروسية وتغلغلها في معظم مناحي الحياة الاقتصادية، وطوفان من المشاكل السياسية والاجتماعية.

وكانت روسيا في هذه الفترة، كما يقول الخبراء في الشؤون الروسية، في حالة تحلل، جعلت بعض السياسيين الكبار في الغرب يتحدثون علناً عن مشاريع وسيناريوهات مختلفة لتقسيمها ونزع أسلحتها النووية.

وبعد تسلّم بوتين السلطة في عام 2000 كما يؤكد عدد كبير من الخبراء والمحللين السياسيين، بدأت روسيا تتجه وبقوة للعودة لدور الدولة العظمى، وخاصة بعد تغير سياستها الخارجية.

قال أحد المعلقين الروس: بدون شك، اختلفت السياسة الخارجية الروسية الحالية، مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2000 .

لقد تغيرت لغة ونبرة السياسة الخارجية الروسية، وأصبحت أكثر حدة وصلابة وحزماً، وتشكلت مواقف جديدة، بالنسبة لعدد كبير من القضايا والمشاكل المحلية والإقليمية والدولية.

فالروس، كما يؤكد أحد علماء السياسة الغربيين، أصبحوا لا يخافون في الدفاع عن مواقفهم، وعن مصالحهم الاقتصادية الحيوية، التي تضررت في العالم.

حتى في المجال العسكري بتحدٍ وبحدة، أخذوا يعرضون قوتهم وعضلاتهم أمام الدول التي كانت تهدد الكيان الروسي، والتي سعت من أجل تقسيم وتفتيت روسيا إلى دويلات مستقلة، حتى أن شركاءها في أوروبا لم يصدقوا ذلك.

تشكل لدى السياسة الخارجية الروسية، كما يقول المحللون، نهج جديد وسلوك خاص سلكته على الساحة الدولية، كضمان لأمن الطاقة، وللبرهنة على أنها ما زالت قوة عظمى وجبارة، تمتلك موارد استراتيجية ضخمة، لا يستهان بها، ومن جراء ذلك، كما يقول الخبراء، ازداد نفوذ وهيبة الدولة الروسية في العالم، لا سيما في الدول الصغيرة والضعيفة.

وبدأت أميركا ومعها أوروبا تحسبان حساب روسيا، وتشاركانها في حل بعض القضايا والمشاكل الإقليمية والدولية المعلقة.

ولفك طوق العزلة التي فرضها الغرب بقيادة الولايات المتحدة على روسيا، بدأت القيادة الروسية العمل على توجيه السياسة الخارجية الروسية نحو التقارب والتعاون على أساس المصالح المتبادلة والمشتركة، مع دول كبيرة، مثل الصين والهند.

واستناداً للمصادر العسكرية الروسية، فقد ازداد حجم التعاون بين الصين وروسيا في مجال التبادل التكنولوجي - العسكري، وخاصة في مجال صناعة وبيع الأسلحة الروسية، وفي مجالات الاقتصاد والتبادل التجاري والصناعي، وتبادل الخبرات، ومع الهند، طبقاً لنفس المصادر العسكرية، أبرمت روسيا عقوداً كثيرة، بمبالغ ضخمة جداً، لبيعها الأسلحة والعتاد الحربي والذخائر، وخاصة عقود بيع الهند الطائرات الحربية المقاتلة، والدبابات والصواريخ والبواخر والزوارق البحرية والغواصات الروسية. كما ازداد تقارب روسيا مع دول في أميركا اللاتينية، مثل فنزويلا والأرجنتين وغيرهما من الدول، التي تعتمد جيوشها على السلاح الروسي، ومع دول الشرق الأوسط، وخاصة مع قبرص واليونان ومصر وسوريا.

كما ازداد التقارب وحجم التعاون مع الدول الإفريقية، وخاصة مع دول شمال إفريقيا، مثل "الجزائر والمغرب وليبيا"، ومع الجزائر أبرمت عقوداً جديدة تدر مبالغ وأرباحاً ضخمة إلى الميزانية الروسية، وهذه العقود، استناداً للتقارير العسكرية الروسية، تنص على بيع الجزائر الطائرات الحربية المقاتلة، والدبابات الحديثة الصنع، والأسلحة والذخائر والزوارق البحرية، وبناء ورش لصيانة الأسلحة والمعدات الحربية، التي كانت الجزائر قد اشترتها سابقاً من الاتحاد السوفييتي.

كما ازداد التعاون في مجال استخراج الغاز ونقله وتصديره إلى أوروبا.

ومع ليبيا من جديد أبرمت عقوداً، لبيعها التكنولوجيا العسكرية، وخاصة الطائرات المقاتلة والدبابات وقطع الغيار للأسلحة القديمة التي اشترتها من الاتحاد السوفييتي "السابق".

اما مع المغرب، فقد ازداد حجم التبادل التجاري وتوطدت العلاقات الثنائية بين البلدين، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، كما يعتقد عدد كبير من خبراء السياسة الروس، أن السياسة الخارجية الروسية، في عهد بوتين، وقفت على الحياد من بعض القضايا والمشاكل الداخلية المعقدة لهذه الدول.

ولدى روسيا مشاكل داخلية شبيهة بهذه المشاكل، مثل مشكلة الشيشان وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

والآن كما يرى عدد كبير من الخبراء، تسعى موسكو لعرض ما عندها من موارد من أجل زيادة الضغط على الأنظمة والدول "غير الموالية لها"، وتعتبر طرق نقل الغاز وسياسة الأسعار المرتفعة الذراع القوية، التي تلوح بها موسكو. بنفس الوقت كما يقول عدد آخر من الخبراء، يلاحظ مرونة القيادة الروسية وميلها إلى التعاون مع الأنظمة والدول، التي تحمل مواقف سياسية مسالمة وغير معادية لها.

ويقول الخبراء في الشأن الروسي: إن روسيا استعادت زمام المبادرة ووضعت خطوطاً حمراء، بشأن عدم اللعب بمصالحها الحيوية في حيز جغرافيتها السياسية، خصوصاً فيما يتعلق بالقوقاز وموارد الطاقة، في نقطة تحول في العلاقات الدولية مع دور روسي صاعد في توازنات القوى الدولية، مصحوباً بتعثر وأزمات السياسة الأميركية وفشلها في نقاط ساخنة، كالعراق وأفغانستان وسوريا.

اليوم برأي البعض من الخبراء والمحللين، لا يمكن لأحد القفز على الدور الروسي، وخاصة في سوريا، فلم يعد بالوسع الاستخفاف به.

وموسكو كما يؤكد البعض من السياسيين الروس المحسوبين على الكرملين، لا تخفي رغبتها في استعادة دورها كقوة دولية عظمى، لا تجد أفضل من الساحة السورية لتوصيل رسالة مفادها أنها لن تقبل أي تساهل بحقوقها في حالة تقسيم أي كعكة، كما جرى في الساحة الليبية.

ويبدو كما يعتقد كثير من المحللين، أن القادة الروس أرادوا من الأزمة السورية أن يتخذوها مثلاً لإظهار مدى قوتهم وتأثيرهم في الأزمات الدولية، فأعلنوا عودة اللاعب الروسي من جديد إلى مسرح الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الحالة الليبية.

وظهر القادة الروس في موقع من يتصرف بردات الفعل حيال الغرب ومخططاته وطريقة تعامله مع ما يجري في المنطقة العربية.

لكن حدود المواقف الروسية، برأي البعض من المحللين الغربيين، ضعيفة وتخضع في غالب الأحيان للمقايضات والمساومات.

لا شك، كما يقول المحللون وعلماء السياسة، في أن موقف روسيا تجاه الأزمة السورية لا علاقة له بالجانب الإنساني أو الأخلاقي.

الواقع يشير إلى أن الموقف الروسي مما يجري في سوريا يصب في صميم المصالح الروسية، ولا علاقة له بالدفاع عن مصالح الشعب السوري ومستقبله، حيث تعتبر روسيا الصراع على سوريا صراع نفوذ مع الغرب.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك فهناك صراع أوروبي - روسي بشأن توريد الغاز من روسيا، حيث إن أوروبا تبحث عن مصادر للغاز في الشرق الأوسط عبر أنابيب تمر بسوريا وتركيا حتى تتخلص أو تخفف من التحكم الروسي في ذلك، وروسيا لا تريد لأنابيب الغاز أن تصل لأوروبا عبر سوريا حتى تبقى متحكمة فيه.

إضافة إلى ذلك يرى عدد من المعلقين الروس أن القيادة الروسية الحالية تعمل وتسعى جاهدة وبنشاط من أجل تحويل روسيا إلى "دولة عظمى في مجال الطاقة"، فالمحادثات والمباحثات الدولية الناشطة، التي تتطرق إلى مواضيع تعاون موسكو في مجال الطاقة مع شركائها الأجانب، تشهد وتدل على ذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.