المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبو راشد Headshot

الجريمة المنظمة وانعكاسها على الواقع الاقتصادي في الاتحاد الروسي

تم النشر: تم التحديث:

في الآونة الأخيرة عبر وسائل الإعلام والدعاية وعلى الأخص التلفزيون الروسي، كثُر الحديث عن نمو الجريمة في المجال الاقتصادي، وهناك برامج كثيرة تتكلم وتتحدث عن أعمال الإجرام والإجرام المنظّم في مدن روسيا، وخاصة في مدينتي موسكو وسانت بيتربورغ "لينينغراد" سابقاً، تعطي هذه البرامج إحصائيات ومعطيات يومية جديدة عن هذه الأعمال.

تفيد الإحصائيات والتقارير الروسية بأن عوامل الإجرام في المجال الاقتصادي في نمو حاد، وهذه العوامل برأي البعض من المحللين الروس، أصبحت تهدد الأمن القومي للبلد.

حصلت تغيرات جديدة وجدية في بناء وديناميكية الإجرام، والجريمة أصبحت أكثر تنظيماً واحترافاً. تصاعد مستوى النشاطات والأعمال المعادية للقانون الروسي، وتوسع مجال استخدام الوسائل الجديدة العصرية للحصول على الملكية والأموال، عبر استخدام التكنولوجيا المعاصرة، وأيضاً الأساليب الاغتصابية.

من الملاحظ أن الإجرام أخذ ينشط من أجل التغلغل في مجال الاقتصاد، حيث ظهرت عملياً إمكانيات وفرص غير محدودة للحصول على الأموال الضخمة والغناء السريع.

إن تحرير النشاطات الاقتصادية، وتحويل الملكية العامة (أي ملكية الدولة) إلى ملكية خاصة، ووقوعها بأيادٍ خاصة وبأسعار زهيدة جداً، أدى إلى سماح دخول الرأسمال في اقتصاد "الظل".

استناداً للوثائق الروسية، 55% من الرأسمال و80% من الأسهم والأوراق النقدية الثمينة تحولت إلى أيادي جماعات الإجرام المحلية والأجنبية، في ظل انعدام الرقابة الفعالة، والدفاع عن القانون، هذا ما سمح وهيّأ ظروفاً جيدة لتغلغل جماعات الجريمة المنظمة في الاقتصاد والعلاقات الاقتصادية.

وحسب الإحصائيات الروسية، حتى 70% من المداخيل المحصلة بطُرق غير قانونية، وضعت في نشاطات ومشاريع مختلفة، وهي التي قامت برفع حجم النشاطات الإجرامية.

إن هذه النشاطات الاقتصادية أكسبت الجماعات الإجرامية تأثيراً ونفوذاً سياسياً ملاحظاً، وهذا عامل من العوامل الهامة التي تُعيق تحقيق وظيفة الدولة الروسية في الحفاظ على القوانين في المجالات الاقتصادية والمالية وغيرها.

خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، طبقاً للمصادر الروسية، تم الكشف عن حوالي 800 ألف جريمة اقتصادية، شكّلت خسارة كبيرة للدولة؛ لأن الجرائم الاقتصادية تعيق تطور الإنتاج وتبعد وتحرم الاقتصاد من الرأسمال الاستثماري وتعجّل من التضخم النقدي، وتحرم ميزانية الدولة من قسم كبير من الدخل، وتزيد وتسعر حدة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

في السنوات الأخيرة ازدادت أعداد الشركات والمؤسسات، التي تقوم بنشاطات وعمليات تجارية غير قانونية، تقوم بتخبئة حجم كبير من دخلها عن مصلحة الضرائب أثناء القيام بالعمليات والصفقات التجارية، والدولة الروسية لا تستفيد من هذه الشركات والمؤسسات المزورة، حيث حجم رأس مالها الذي تعمل به في حركة مستمرة، "حسب الإحصائيات الروسية"، ممكن مقارنته مع قسم من دخل ميزانية الدولة، بشكل حاد يتوسع استخدام الوثائق والأوراق المزورة تحت أسماء مزورة أثناء تسجيل الشركات الجديدة، مثل تسجيل كثير من الشركات بوثائق بعض الناس الذين قد ماتوا.

حسب الإحصائيات والتقارير الروسية، حوالي 40% من حجم تداول دورة البضائع يجري على أساس التجارة غير المنظمة، وهذه جرائم تستحق العقاب القانوني في مجال التجارة.

أكثر من نصف الجرائم الاقتصادية التي تم الكشف عنها خلال السنوات الأخيرة تتكون من الاختلاس، وبالأخص بسرعة تنمو وتتصاعد جرائم الاختلاس، عن طريق النصب والاحتيال.

إن جميع جرائم الاختلاس تجري بأحجام ضخمة وعلى مستويات كبيرة، ولشراء أعضاء وشخصيات كبيرة في السلطة وفي دوائر الأمن والحكومة، الجماعات الإجرامية "حسب التقارير الروسية"، تصرف 50% من وسائلها التي اختلستها.

منذ لحظة البدء بإعادة الإصلاح تم الكشف عن عدد كبير من جرائم اختلاس الأموال الآتية من عملية تحويل الملكية العامة "ملكية الدولة" إلى الملكية الخاصة، مقابل رشوة المسؤولين والشخصيات الكبيرة في الدولة، التي قامت بتغطية هذه الأعمال والصفقات غير القانونية.

خلال عدد من السنوات تصاعد الوضع الإجرامي في مجالات استخراج وتصنيع موارد الخام وموارد الطاقة البشرية، المنتوجات الصناعية، المواصلات والبناء وغيرها.

في القطاع الصناعي الاقتصادي، "حسب الوثائق الروسية" تم كشف وتسجيل عدد كبير من جرائم الاختلاس.

وهذا منتشر بشكل واسع في مجمعات مشاريع المعادن وصناعة السيارات والآلات، وأماكن حفظ وتصنيع وتصدير المواد، جرت سرقة المواد والمعادن بكميات كبيرة، ومواد ومعادن أخرى تعتبر مهمة جداً للاقتصاد الوطني الروسي.

الطاقة وموارد الطاقة البشرية تعتبر أساس الاقتصاد الروسي، التي تجلب ما لا يقل عن 40% من الدخل القومي وأكثر من 60% من العملة الصعبة، وتسيطر عليها الجماعات الإجرامية، وأعمال الإجرام في هذا المجال لم تخف وهي في نمو وتصاعد حاد، وخاصة في السنوات الأخيرة.

الجماعات الإجرامية تدير حرباً معلنة من أجل تقسيم مناطق النفوذ، والسيطرة على الفروع الصناعية هذه، وتتوصل حتى إلى التصفية الجسدية للشخصيات المسؤولة عن هذه الفروع "المنظمات التجارية، مصانع تصنيع وتكرير النفط"، الموجودة في سمارا، تومسك، تيومين، ريزان، وغيرها من المناطق، وأيضاً في فروع استخراج وتصنيع المعادن الثمينة مثل الذهب والألماس والبلاتين والأحجار الكريمة.

وحسب المصادر الروسية، فإن 40% من الذهب المستخرج عملياً جرى اختلاسه وتهريبه إلى الخارج بطرق غير قانونية عبر شركات تجارية تعمل في هذا المجال.

"حسب مصادر البنك المركزي الروسي"، شهرياً من روسيا يخرج عملة صعبة من 1٫5 حتى 2 مليار دولار أميركي. وحسب الإحصائيات الروسية أيضاً، بلغ المجموع العام للأموال المهربة إلى الغرب من 150 حتى 300 مليار دولار أميركي.

وأصبح من المعروف أن القسم الكبير من رأس المال اللازم للاستثمارات في البلد قد هُرّب إلى الخارج عن طريق استخدام البنوك وهيئات المال الأجنبية، حيث يفتحون حسابات للهيئات التجارية، التي تمتلك صلات وعلاقات قوية ووطيدة مع عالم الإجرام في روسيا.

وطبقاً للتقارير الروسية، فإنه من 40 حتى 50% من السلع والبضائع المهربة من الخارج، تدخل بدون دفع الرسوم الجمركية، وبسبب ذلك تفقد الميزانية قسماً كبيراً من الدخل، وبهذه الصورة ينهبون ويسرقون روسيا.

من المعروف أنه في البلدان العادية، الجماعات الإجرامية المنظمة تسيطر وتسير من 4 إلى 5% من الاقتصاد، أما في روسيا الحالية حتى 50%.

الجريمة المنظمة تحاول السيطرة على جميع المجالات الاقتصادية، وتسعى إلى السيطرة على مصادر الدخول العالية في روسيا، مثل: "منشآت صناعة الغاز، والمؤسسات والشركات النفطية الحكومية، والبنوك الكبيرة".

يقول خبراء الجريمة الروس: إن الجماعات الإجرامية أصبحت أكثر عدوانية، وهذه الجماعات أصبحت تشكّل أكثر خطورة من السابق؛ لأنهم أقوياء ويملكون المال والإرهاب ووسائل الإعلام وكل أساليب القوة اللازمة لتمويل نشاطاتهم الإجرامية، هم يمتلكون الصناديق في الروبل والعملة الصعبة بشكل غير محدود.

ويرى البعض أنه من أجل القضاء على الجريمة المنظمة، يجب العمل على تقوية منظمات الدفاع والأمن والقوات الخاصة، والمراقبة القاسية والجادة من قِبَل الدولة في المجالات التي تنشط بها الجماعات الإجرامية، والتي تتغذى منها أو من الممكن التغلغل فيها.

وبرأي البعض الآخر من الخبراء والمحللين السياسيين أن الجريمة في المجال الاقتصادي ستزداد وتنمو بشكل مطرد، إذا لم تحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ومشاكل السكن والأمن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.