المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد أبو راشد Headshot

عوامل نشوء وتطور الجريمة المنظمة في روسيا الاتحادية

تم النشر: تم التحديث:

يقول أحد خبراء الجريمة الروس: كانت المعطيات الإحصائية عن الإجرام في الاتحاد السوفييتي "السابق" تكتنفها سرية تامة، ولذا توهم المجتمع آنذاك أنه ليست هناك أية مشاكل في مكافحته.

ولكن العلنية، التي جاءت بها البيريسترويكا "إعادة البناء" اخترقت حاجز الصمت، فسلطت الصحافة والتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى الأضواء على مختلف الجرائم الجنائية، وسير المحاكمات والحوادث الإجرامية وراحت وزارة الداخلية والنيابة العامة في مدن روسيا الفيدرالية، تصدران دورياً نشراتها الإحصائية عن هذه الحوادث.

وطبقاً للوثائق الروسية، تحظى جرائم الإثراء المغرضة بأكبر وزن نوعي، ومن ذلك مثلاً السرقة واختلاس أموال الدولة والمضاربة، وهي تشكل حسب التقديرات الروسية 70% من الهيكل العام في البلاد.

وتحظى بمرتبة كبيرة الجرائم المعيشية اليومية، فإن 70% من الجرائم المعيشية تحدث في روسيا بسبب السكر والعربدة وإدمان المخدرات نتيجة الفقر والتسيب الحاصل.

أصبح واضحاً اليوم، كما يرى عدد كبير من خبراء الجريمة، أن روسيا ورثت عن الماضي تركة ثقيلة.

إن الفساد والمضاربة بالتهريب وأعمال الاختلاس والسرقة والإثراء لم تستورد من الخارج، بل نبتت في تربة البلاد نتيجة ترسخ الإدارة البيروقراطية في الصناعة والزراعة، التي كبتت إرادة ومبادرة الناس.

ومنذ الستينات بعد فشل الإصلاح الاقتصادي، نشط ما يسمى "اقتصاد الظل"، الذي تراكمت فيه مليارات الروبلات، مما أدى إلى انتشار جامح للرشوة واختلاس الملكية العامة، وأفضى انحطاط الأخلاق إلى استفحال إدمان الكحول والمخدرات والدعارة وإلى اتساع مناطق الجرائم الجنائية.

وفي سنوات الركود، في أواخر السبعينات وأواسط الثمانينات، "استناداً للوثائق الروسية" ضرب الاتحاد السوفييتي "السابق" رقماً قياسياً في كثير من مؤشرات الإجرام.

وفي الحقيقة، أدت صعوبات عملية الإصلاح الاقتصادي الفاشلة والأخطاء والهفوات الكثيرة الناجمة عنها، وكذلك انعدام الكثير من السلع والمواد الغذائية والخدمات إلى تفشي الاختلاس والمضاربة والرشوة وتشكل "اقتصاد الظل".

وانتشرت أيضاً أعمال الابتزاز كردّ من جانب عالم الإجرام على التشوهات في الحركة التعاونية مثل المداخيل الفاحشة غير الشرعية.

وخبراء الجريمة يعتبرون أن الجريمة المنظمة قد ولدت وتطورت في الاتحاد السوفييتي "السابق"، وممكن برأي البعض "أنها خطة مدبرة" من قِبَل بعض المسؤولين الموجودين في السلطة آنذاك، وهذه العوامل لعبت دورها الكبير في تعبيد الطريق لظهور المافيا والجريمة المنظمة الموجودة حالياً.

ويؤكد عدد من الخبراء أن الجريمة المنظمة في شكلها الحالي انعدمت آنذاك بسبب نظام الدولة الحديدي، الدولة قامت بمراقبة كل شيء، وبشكل مطلق كانت الدولة مسؤولة عن العمل، النقود والخيرات المادية، السكن ومكان السكن.

يعتبر خبراء الجريمة الروس أن المافيا الحالية، هي المافيا نفسها، التي كانت سابقاً، تقوم بنشاطات سرية محددة، وكانت قد حصلت على الوسائل المالية من أجل تمويل نشاطاتها، عن طريق بعض الموظفين المتنفذين في أجهزة ودوائر وهيئات الدولة السوفييتية، وأيضاً عن طريق السرقة والسطو المسلح "سرقة منشآت الدولة وغيرها" وأيضاً تلقت الأموال من المنظمات والهيئات المعادية في الغرب ومن مصادر أجنبية أخرى.

الجريمة المنظمة، كما ذكر البعض من المحللين الروس، بدأت تتشكل في الستينات في الأماكن الحرفية وفي السبعينات بدأ تشكل الابتزاز المنظم ثم تطور إلى الوضع الحالي.

الجريمة المنظمة الحالية بكل بساطة هي متابعة للجريمة، التي ابتدأت منذ مائة عام.

ويمكن القول: "استناداً للمصادر الروسية"، بأن بداية ابتزاز المال على نطاق واسع تعود إلى فترة الستينات حتى ظهر "الروس الجدد" الأوائل - أي أصحاب الورش السرية السوفييتية الغنية، وقد أصبحت هذه "الفئة الاجتماعية" التربة الطيبة التي نمت عليها عصابات المافيا القوية في الاتحاد السوفييتي.

وكانت هذه العصابات غير المنظمة يومذاك تتولى حماية الورش من تطاولات العناصر الإجرامية وتساعدهم في استعادة الديون، كما تقوم بحماية ومرافقة إرساليات البضائع وبإقامة الاتصالات اللازمة مع السلطات الرسمية عن طريق شراء الذمم أو إقصاء الموظفين، وذلك مقابل الحصول على نسب مئوية من الأرباح، وفي تلك الأعوام كانت هذه "الجماعات" تتألف من الرياضيين السابقين أو مجرد الشباب أصحاب العضلات المفتولة الذين لا ترضيهم رواتب المهندس أو المعلم مثلاً.

وعندما بدأ عهد البيريسترويكا ظهرت في الاتحاد السوفييتي المؤسسات التجارية، وحل "العصر الذهبي" لعصابات ابتزاز المال الكبرى، وبما أن العمل الوليد قام على أكتاف أصحاب المؤسسات السرية، ولم يكن بين رجال الأعمال أفراد طارئون إلا فيما ندر، فقد تولى إدارة غالبية الشركات التعاونية أصحاب المؤسسات السرية الذين انتقلوا إلى العمل العلني بمعونة الاقتصاديين الليبراليين الذين أعلنوا عن بدء عهد السوق، وبرز بين رجال الأعمال بصورة خاصة الموظفين الحزبيين والإداريين الذين فقدوا أهمية مناصبهم بعد إلغاء اللجان الحزبية والتنفيذية وغيرها من دوائر إدارة الدولة وقتها.

وقد استغل هؤلاء صلاتهم القوية بدوائر الأمن والأجهزة الخاصة من أجل الحصول على حمايتهم، ومن هذه اللحظة أصبح ابتزاز المال يكسب سمات جديدة.

وذكرت "المصادر الروسية" أن آباء عصابات الابتزاز الروسية، وكذلك زعماء العصابات وعدد آخر من العناصر الإجرامية المعروفة، كانوا في ذلك الوقت قد رسخوا أقدامهم، وأصبح ابتزاز المال مهنة مربحة وخطرة والمصدر الرئيسي لمداخيل عصابات المافيا.

لقد تطورت جريمة ابتزاز المال بالتوازي مع تطور البيزنس والأعمال الحرة.

وبمرور الزمن بدأت العناصر الإجرامية تدرك أنه ليس في صالحها الحصول على المال نقداً فحسب، بل إن من الأنفع لها أن تشارك في العمل، والسيطرة على المؤسسات التجارية في الداخل وإملاء شروطها.

المافيا ليست فقط شكلاً من أشكال الإجرام والجريمة المنظمة، بل هي أيضاً شكل من أشكال الحياة الإنسانية، منذ العصور القديمة.

في جميع الأوقات والمراحل تطورت الجريمة وازدهرت مع تطور المجتمع، والبناء الإجرامي الحالي "في الكثير يعتبر انعكاساً لبناء المجتمع العلني".

"المافيا الروسية" من طبيعتها وأهدافها الأساسية والرئيسية السعي إلى تسجيل وتثبيت نشاطاتها وأعمالها غير القانونية إلى نشاطات علنية وقانونية والحصول على الدخول الكبيرة عن طريق استخدام المعاهد السياسية والاقتصادية والإعلامية للمجتمع.

وظهور كل هذا فجأة وبشكل غير متوقع ليس صدفة؛ لأن ازدهار وتطور شبكة الإجرام بشكل مباشر مرتبط بسياسة الدولة الروسية وخاصة في السنوات الأخيرة.

عند الإعلان عن عمليات الاغتيال الكبيرة أو عمليات الابتزاز والاختلاس الكبيرة، من الضروري يجري ذكر أسماء، سياسيين كبار وأسماء مديري البنوك وأصحاب مشاريع أو رجال أعمال مشهورين.

ويرى العديد من المحللين والاختصاصيين في هذا المجال أن أحد أسباب نمو الإجرام يكمن في الأخطاء والهفوات على صعيد السياسة الاجتماعية.

ومما لعب دوراً سلبياً أيضاً، في رأي العاملين في أجهزة حماية النظام العام، ضعف الاهتمام بمحاربة المافيا، بالتعرض لها ومقاومتها لمنعها من الدخول والتغلغل في الأنظمة السياسية والاقتصادية وفي وسائل الإعلام وغيرها من المعاهد.

ويرى عدد كبير من الخبراء وعلماء السياسة الروس أن طردها من هذه المعاهد العلنية، ليس سهلاً؛ لأن ساعدها أصبح قوياً وهي تسيطر على كل شيء، من أساليب القوة والمال ووسائل الإعلام والدعاية.

وينبغي القول بأن محاربة ومكافحة المافيا في السلطة وأجهزة الدولة محاربة الجريمة المنظمة والبلطجية والجماعات الإجرامية المسلحة جيداً، تقع في مركز اهتمام المجتمع الروسي، السلطة، الأحزاب، ووسائل الإعلام - والكل متفق على أنه من الضروري محاربة الإجرام وقطع دابره، لكن رغم كل ذلك ما زالت الأقوال غير مقرونة بالأفعال.