المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد فاروق الغمراوي  Headshot

عقلية العبيد

تم النشر: تم التحديث:

حدثت تحديات عنيفة خلال العصور الوسطى من الحضارة الأوروبية للحضارة الإسلامية، وأخطر هذه التحديات وأعمقها وأبعدها أثراً على كل شعوب العالم هي الحضارة الأوروبية الحديثة.

ولقد تمثلت استجابة العالم الإسلامي في مظهرين لا ثالث لهما؛ أولهما التزمت: الذي اتخذت منه بعض الدول الإسلامية درعاً لها من العدوان الخارجى (الوهابية في الحجاز - السنوسية في ليبيا - المهدية في السودان - الحميدية في اليمن)، وثانيهما التشكل: حيث وجد المتشكل أن أفضل وسيلة لحماية نفسه من الخطر أن يتعرف على سر تفوق عدوه فيطرح جانباً وسائل الحرب التقليدية وتراثه الماضي ليقتبس مظاهر الحضارة المتحدية له ويحاول التشكل بها (محمد علي في مصر - كمال أتاتورك في تركيا).

وكان المتزمتون أشبه بالنعامة تخفي رأسها في الرمال، بينما كان المتشكلون وإن تصرفوا وفقاً للعقل فإنهم يمارسون لعبة خطرة، وبالتالي فإن الاستجابة الأولى المتزمتة لم تقدم طاقات خلاقة صادرة عن روح أصيلة وإنما تقليد للأجداد. والاستجابة الثانية المتشكلة قد تنجح، ولكن نجاحها خارجي، فهي عملية تقليد للعدو ولا إبداع فيها.

والخلاصة أن الأول اكتفى بتراثه وترك الأخذ بالأسباب، والثاني ترك تراثه وأخذ بالأسباب، والصحيح هنا هو المحافظة على التراث والأخذ بالأسباب، وهي الصورة التي لا نجد لها أثراً ملموساً على أرض الواقع في عالمنا الإسلامي، وإن كانت موجودة لدى المفكرين المسلمين الذين لم يتمكنوا من أن يصوروها على أرض الواقع بسبب شيطنة الآخر التي تمارسها الحضارة الأوروبية الحديثة كلما حاولت أمة من الأمم الإسلامية العمل على إصلاح أمرها محافظةً على تراثها وآخذة بالأسباب، وتجدها تشجع فقط المتطرفين من مدرستي التزمت والتشكيل،

وتقدمهما على أنهما الصورة الحقيقية للإسلام (داعش وأخواتها نموذجاً) للمتزمتين العملاء، وكُتاب العلمانيين الذين يطالبون بفصل الدين عن الدولة (الإعلام العربي نموذجاً) للمتشكلين العملاء، ومن بين هؤلاء وهؤلاء يتبنى الغرب سراً أو علانية - حسبما تقتضي الظروف - البعض منهم حتى يتمكن من الانسلال بعد رمينا بدائه، والغريب في الأمر أن هذا الأمر ينطلي علي معظم الناس في مجتمعاتنا، فمثلاً تجد من يشيد بالدور الأوروبي في قضية اللاجئيين السوريين، وكأنه لا يعلم أو لم يشاهد بأم عينيه أن السبب في أزمة اللاجئين هو الغرب نفسه، وأن من يدمر سوريا ويقصف أهلها هو الغرب نفسه، وأن من يمد كافة الأطراف بالسلاح هو الغرب نفسه، وأن.. وأن.. وأن...

وما أكثر الأنات التي يمكن الكتابة عنها أو شرحها، لمن يراها بعينه آناء الليل وأطراف النهار وما بينهما! وحتى ذاكرة العوام التي كانت في زمن الجبرتي ثلاثة أيام، تحولت إلى ثلاث دقائق فحسب في عصرنا هذا، وكأن ضعف الذاكرة أو ذاكرة السمكة التي نتمتع بها في أيامنا هذه لا تكفي، حتى نجد أنصار التزمت وأنصار التشكّل يخرجون علينا كل يوم بحدوتة يصورونها وكأنها هي القضية المحورية التي ينبغي على المجتمع حلها من أجل وضع المجتمع على الطريق القويم والعودة للأمجاد، وهما في هذا ينقسمون إلى فريقين:

الأول القابض على دولاره ولا يخشى في الإفك والخداع لومة لائم، والثاني نصف المتعلم، وإن شئت فهو نصف الجاهل، الذي يتخيل أن ما هو خارج رأسه لا وجود له في العالم الواقع، وأن ما لديه من العلم يكفيه لمناطحة أهل العلم الذين لا يقيم لهم وزناً ما داموا مخالفين له، وهو يملك الحقيقة المطلقة في زعمه، وكلاهما موجود في المدرستين المتزمتة والمتشكلة، وكلاهما يحقق الغرض المأمول في تجهيل المجتمع وشغله عن قضاياه الحقيقية، وعن العدو الحقيقي، سواء عن قصد في حالة القابض على دولاره، أو عن جهل في حالة نصف المتعلم، وفي الواقع فإنه لا يمتنع أن يكون نصف الجاهل قابضاً على دولاره، فهناك من يتلقفون أمثاله حيث يتم تلميعهم وتصديرهم في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمشمومة، وما أكثرهم في أيامنا.

وما بين اللاقف والملقوف ضاعت أجيال وأجيال وعشش الجهل وسوء البصر والبصيرة في مجتمعاتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.