المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد براء Headshot

نعومة "يناير" وراديكالية الثورة المضادة

تم النشر: تم التحديث:

"الثورة هي المصدر الأساسي للحرية".. هكذا كانت فلسفة عصر التنوير في أوروبا، التي نشأت في إنجلترا وتطورت في فرنسا؛ لتتحول إلى مفهوم واسع يشمل تحرير الفِكْر والهرب من العصور الوسطى خلال القرن التاسع عشر، فالثورات في الأساس كان هدفها إقامة دولة مؤسسات وإلغاء الصفة "الإلهية" التي أعطاها الملوك لأنفسهم.

ملحوظة على الهامش قبل البدء:

"الراديكالية" في الأساس فِكْر وتوجّه سياسي اجتماعي يسعى للتغيير الجذري السلمي من خلال الثورات، وعدم الاكتفاء بالتغييرات السطحية.

"1"

كان الخط الرئيسي للتوجه الفكري المسيطر طوال القرن التاسع عشر مبنياً على "الراديكالية"، والرغبة الثورية في الخلاص الجذري النابعة من الثقة في القوة المطلقة التي يمكن أن تحرر الإنسان من مظاهر "عدم المساواة"، وتقدير الفرد ودور العقل، وليس دور الجماعة، وما تفرضه من روابط وسُلطات قائمة على المكانة الموروثة التي تضرب بالفَرْد عَرْض الحائط، ومن رَحِم هذا الفِكْر "الراديكالي" وُلِدَت المذاهب "الاشتراكية" التي ظلت تتطور فيما بعد.

وعلى العكس تماماً، انتهج الكلاسيكيون أصحاب الاتجاه "المحافِظ" الرافضون لأي تغيير نهجاً رومانسياً تشاؤمياً خلال القرن التاسع عشر، حاولوا خلاله استعادة نظام "العصور الوسطى"؛ إذ أدانوا الثورات تماماً وحاولوا ربطها بـ"الفوضى" وتفكك الدول، رغم أن الثورة الفرنسية نَتَجَ عنها التحرُّر، وقيام دولة مؤسسات حديثة ذات جيش قوي يتمتع باستقلالية نسبية، وأهملوا دور الفرد، وحاولوا تقوية جذور النُّظُم القائمة بدلاً من تغييرها وفق أسس عقلية، واهتموا بمفاهيم مثل "المجتمع" و"الأمة" و"النهضة" و"المستقبل"؛ لدغدغة مشاعر الجماهير باستخدام استراتيجية تزييف الوعي.

أصحاب الاتجاه "المحافِظ" طوّروا عدداً من المفاهيم خلال القرن التاسع عشر أثناء صراعهم مع الثوار وفِكْر عصر التنوير، أهمها مفهوم "الاغتراب" الذي روّجوا من خلاله حالة "الإحباط" و"عدم الشعور بالأمن" بين الأفراد، نتيجة التغيرات الفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي نظر إليها الثوار على أنها تؤدي إلى التحرر من عادات العصور الوسطى، بالإضافة إلى مناهضة الثورة، واعتبار نزعة التحديث التي جاءت بها "شراً" قوياً.

وهاجم المطالبون بعودة العصور الوسطى كل ما نادت به الثورة وطالبت به، وفي النفس الوقت دافعوا عن كل المعتقدات والمفاهيم التي تهاجمها الثورة.

"2"

اندلعت ثورة 25 يناير/كانون الثاني -في القرن الحادي والعشرين- للخروج بمصر من "عصورها الوسطى" ونادت بمطالب راديكالية سلمية بَحْتَة.. راديكالية تستهدف اقتلاع جذور الفساد المستشري في جسد الدولة نتيجة عقود من ترسيخ أذرع الدولة الأخطبوطية الشمولية، راديكالية قامت على أساس التغيير الجذري، وتطهير المؤسسات، والعَصْف بكل عنصر أسقط الدولة ومؤسساتها في الفساد.

كان الخط الرئيسي للتوجه الفكري المسيطر خلال ثورة 25 يناير مبنياً على "الليبرالية"، رغم أن أهداف الثورة راديكالية خالصة تسعى لتقليب الأرض والتطهير بدءاً من الجذور؛ ليبدأ الصراع الفكري بين أبناء الثورة نفسها والمؤمنين بأهدافها، فالليبرالية في الأساس لا ترى في الثورة المصدر الأساسي للحرية رغم تأييدها لها، ولكن في مصر كان الأمر مختلفاً، فمع تبنّي ليبراليي مصر أهداف الثورة وإيمانهم بها، تمايلوا قليلاً نحو الراديكالية العلمانية.

"3"

انقسم أبناء الثورة بين قوتين راديكاليتين: الأولى راديكالية علمانية انضمت تحت مظلتها القوى المدنية، والثانية راديكالية دينية شملت تيار الإسلام السياسي.. ورغم راديكالية الفريقين، فإن مواقفهما وتحركاتهما على أرض الواقع كانت ناعمة تماماً لا توحي بأي نية في التغيير الجذري، لتصبح نواة الثورة "ليبرالية" ذات إطار راديكالي سطحي؛ لتتآكل "25 يناير" مع انطفاء نور الراديكالية التي قامت عليها الثورة في الأساس، وتَحَكُّم الليبراليين بمبادئهم "الوسطية" في أدوات الثورة والحياة السياسية التي نتجت عنها، وقدمت الثورة بمقتضى الليبرالية الكثير من التنازلات لتفقد جذريتها وأساس قوتها الفكرية.

تنادي الليبرالية دوماً باستقلال الفرد وحريته وحقوقه السياسية والمدنية والاجتماعية، ولكن عندما يتعلق الأمر بالثورات فلا مكان لذلك التوجّه السياسي الوسطي، فالتاريخ أثبت أن الثورات دائماً ما تُحْسَم بقوةٍ ما، وفي مصر غلبت الليبرالية على طابع الثورة الراديكالي، الراديكالية السلمية التنويرية التي حاول فريق صغير استخدامها لتحقيق التغيير الجذري، ولكن ابتلعتهم الليبرالية بشعاراتها الرنّانة.

ومع دخول الثورة في مرحلة ميوعة تامة وانحرافها عن مبادئها وأهدافها الراديكالية الجذرية السلمية، انتهز أصحاب الاتجاه المحافِظ في مصر الذين يمكن اعتبارهم "فلول نظام المخلوع" الفرصة للانقضاض على الثورة التي تحولت من الراديكالية الحاسمة إلى الليبرالية الوسطية، لينتهج كلاسيكيو النظام التوجّه الراديكالي للقضاء على الثورة من جذورها.

وعلى الجبهة الأخرى، انتهج فلول مبارك "الراديكالية" نفسها رغم تبنّيهم الاتجاه الرومانسي المحافِظ ورفضهم الثورة "الراديكالية" من الأساس للعودة إلى العصور الوسطى المصرية، واستخدموا نفس المفاهيم الكلاسيكية في القرن التاسع عشر في ثورتهم المضادة، مثل "الأمن" و"الاستقرار" و"اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش"، وحاولوا رَبْط 25 يناير بـ"الفوضى" و"المؤامرة" وسقوط الدولة وتشريد المجتمعات.

"4"

الأزمة الرئيسية التي واجهت "25 يناير" ليست في الأشخاص أو تقدم قطار الثورة دون قائد مُحَدَّد لها، ولكن في توجّهها الفكري الذي تحول من "الراديكالية" الجذرية إلى "الليبرالية" الوسطية التي سمحت للثورة المضادة بانتهاج "الراديكالية" نفسها للقضاء على الثورة الناعمة.

نعم تطالب الليبرالية بالتغيير، ولكنها لا تنادي بالثورة، ولا تنادي بالتغيير الجذري، بل في بعض الأحيان لا تطالب بتغيير الأنظمة، وهو الفخ الذي وقعت فيه "25 يناير" عندما تعمّقت الليبرالية داخل الكيان الثوري الذي اتّشح من الخارج بغطاء راديكالي شَرَفي لا يسمن ولا يُغني من جوع؛ لتقف الثورة في المنتصف بين التغيير الشامل وبين تقديم التنازلات التي أوصلت مصر لأصعب مراحلها التي نعيشها حالياً في ظل نظام عبد الفتاح السيسي الذي يُسخّر كل مؤسسات الدولة لوأد الثورة والتنكيل بها.

تطورت الثورة المضادة لتستخدم كل الأدوات المتاحة للقضاء على "25 يناير"، ففي بعض الأحيان تستخدم "الراديكالية العلمانية" عندما يتعلق الأمر بإلقاء المعارضين في خندق جماعة الإخوان والتيار الإسلامي، وأحياناً أخرى تستخدم "الراديكالية الدينية" في مواجهة القوى المدنية العلمانية، وأحياناً كثيرة تكون "راديكالية متطرفة" تعصف بالشباب وتعتقل رموز الثورة وتكمم الأصوات الحرة وتقصف بالأقلام المُنْتَفِضَة، كما تحاول الثورة المضادة استقطاب شرائح جديدة إلى معسكرها مستخدمة الشعارات الدينية وتأكيد تجديد الخطاب الديني، ولنا في "الأزهر" و"الكنيسة" ودار الإفتاء خير مثال؛ إذ سُخِّرَت المؤسسات الدينية لخدمة النظام الحاكم.

تسير الثورة المضادة في طريقٍ متوازٍ مع "25 يناير"، فالأولى تنتهج الراديكالية البحتة، والثانية ناعمة لا تقف على أرض فكرية صلبة وتتخبط بين الانتماء لهذا التيار الفكري وذاك، ولن تنجح "25 يناير" وستظل تترنح ما لم تلتزم بـ"الراديكالية" الفكرية السلمية كنواة قوتها التي تنطلق منها الأفكار ومطالب التغيير الجذري وأهدافها النبيلة؛ لتفعيل دورها في المجتمع عبر التعمّق للجذور الفاسدة في الدولة واستبدالها بأخرى صالحة تُفيد الفرد قبل المجتمع.

هذه التدوينة منشورة على موقع يناير.. للإطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.