المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد براء Headshot

«متلازمة المجتمع المصرى».. شعبٌ يثور ثم يطلب «القمع»

تم النشر: تم التحديث:

لازلتُ أشُمُّ رائحةَ الغاز، الأدخنة والغازات تمتزج في السماء بصيحات الثائرين، أسلحة الخرطوش تُطْلِقُ ذخائرها هنا وهناك، أسرابُ الحجارة تتطاير حولنا، الأرض مُغطاة بالخل الممزوج بالمياه الغازية، صيحاتٌ ثائرة تشق السماء فاض بأصحابها الكيل من القمع والظلم، ودماءٌ رفض أصحابها الاكتفاء بالبحث عن "لُقمة العيش".

قد تختلف أو تتفق معي، وقد تؤيد النظام وترتمي في أحضانه، وتراني خائنًا، عميلاً، أو حتى إرهابيًّا! فلم لا وأنت من وجهة نظر النظام وطنيًا مُخلصًا؟ طالما ابتعدت عن نيران المُعارضة و«بتمشي جنب الحيط» مثلما نقول في مصر... و«يا سعدك يا هناك» لو دخلت على خط التهليل و«التطبيل» فسينوبك من الحظ جانب، وقد تحج أو تعتمر على نفقة الدولة.

أما أنا فأنضم إلى الزمرة المغضوب عليها، التي إذا جاء ذكرها، أكل الخوفُ الصدور كما تأكل النار الهشيم، وبلغت القلوب الحناجر... إنها «ثورة 25 يناير» التي جعلت لكل منّا قيمة، منها وإليها نعود، فمهما ضاعت الرؤى، تُحَرِّكُنا البصيرة، ومهما حاولوا إخفاء نورها، نلجأ إلى فطرتنا التي لا تقبلُ إلا العدل.

هتفنا بقوة في وجه عملاق ابتلع الدولة بمؤسساتها، ونظام شمولي إخطبوطي أتى على الأخضر واليابس، وكل ذلك فقط لرفض ممارسات الشرطة، فالثورة اندلعت بعد استشهاد الشاب الإسكندراني «خالد سعيد» على أيدي رجال الشرطة إثر تعذيبه، طالبنا بتطهير وزارة الداخلية، واتسعت دائرة المطالب حتى وصلت لرأس النظام نفسه، وارتفع سقف المطالب بغير حد، أصبح الميدان هو من يحكم، وأطل المخلوع يستعطفنا للبقاء في السُلطة بضع أيام إضافية، رفضنا وضغطنا حتى خلعناه بلا رجعة... أو هكذا ظننا!

من كان يظن أن هذا الشعب المُنْتَفِض، سينتكس في يومٍ من الأيام؟ وأية انتكاسة، انتكاسة استسلام يشوبه الندم على التفريط في حقبة زمنية عاش فيها الشعب بأكمله مُهمشًا، راضيًا بالفُتات، غير طامع وغير حالم، ليس له أي حقوق، وعليه فقط كل الواجبات، من كان يظن أن الممارسات التي رفضها شعب خلال ثورة سلمية طاهرة، سيقبلها نفس الشعب بل يطالب بها بعد أيامٍ معدودات ويختلق المبررات لتغذيتها؟ من كان يظن أن هذا الشعب المُنْتَفِض سينتفض مرة أخرى ليحمل على أكتافه وأعناقه من انتفض لينفضهم؟ ومن كان يظن أن الرفسة الأخيرة للذبيحة يمكنها أن تُطيح بالصياد الذي أتته الضربة من حيث لا يدري؟

في 23 أغسطس عام 1973، سطا مسلحان على أحد بنوك مدينة ستوكهولم السويدية، وأسرا أربع رهائن من موظفي البنك لمدة ستة أيام متواصلة تحت تهديد السلاح، وخلال تلك الفترة، ارتبط الرهائن عاطفيًا بالجُناة، بل ودافعوا عنهم بعد إطلاق سراحهم! فبالنسبة للفرد؛ عندما تكون الضحية تحت ضغط نفسي شديد، تَخْلقُ لا إراديًا آلية دفاع نفسية، عن طريق الاطمئنان للجاني، خاصة إذا أبدى الجاني حركة تنم عن الاهتمام وإن كانت صغيرة جدًا، لتستغلها الضحية، وتُضخّمها، لتبدو كالشيء الكبير جدًا.

وتُسَمَّى هذه الحالة النفسية بـ«متلازمة ستوكهولم»، ويتسع المفهوم ويُطَبَّق على المجتمع الذي يعاني من نفس حالة الفرد، فبالنسبة للمجتمع، يمكن خلق هذه الحالة تحت مظلة الأنظمة الشمولية القمعية، التي لا تستخدم إلا الحل الأمني للضغط على أفراد المجتمع الواحد، ليطوّر الأفراد علاقة خوف من النظام، وبالتالي يتحول المجتمع لـ«ضحية» دائمة المعاناة من القمع، ويعتاد القبضة البوليسية، والحلول الأمنية الأحادية، ليدرك النظام أهمية هذه العلاقة، ويحاول ابتزاز المجتمع بكل ما له علاقة بالأمن والفوضى.

ومع الوقت، يخشى المجتمع فكرة التغيير حتى وإن كانت للأفضل، ويظل يدافع عن النظام الشمولي الحاكم، ويُضخّم محاسنه القليلة، والتغاضي عن مظاهر الفساد، وكبائر السياسة، والانتهاكات، والممارسات التي ينتهجها النظام، حتى وإن كانت وحشية تمسّ حياة الأفراد، وتهدد حقهم في الحياة.

ونجح الشعب المصري -أو الفئة الأكبر منه- في إنتاج حالة جديدة من متلازمة «ستوكهولم»، ليختص بها وحده، وخَلَقَ المبررات والآليات التي تُمكّنه من الانغماس في حالته النفسية الجديدة كليًا على عقيدته، فبعد أن كان مستسلمًا لمظاهر الفساد الجليّة قبل ثورة 25 يناير، فاقدًا للأمل، ومنتظرًا أي شرارة تغيير، تغاضى الآن بمحض إرادته عن القمع البيّن، والفساد المستشري المُعْلَن، واتساع دائرة الاشتباه التي لا يعترض حتى إن وقع ضحية لها، فكيف يعترض أو يقاوم من يُهَدَّد يوميًا من أخطار الحياة؟ كيف يعترض من يعجز عن رؤية الموقف من أي منظور غير منظور المقموع أو المُعْتَدى عليه؟ كيف يحاول النجاة من أدركته القناعة التامة بالعجز عن الهرب؟ وكيف يمكننا مساعدة الضحية التي ترفض التعاون من الأساس؟ كيف يمكن التعامل مع من تُبْذَل الجهود لإنقاذه ويرفض بمحض إرادته أي محاولة لانتشاله؟ بل ويعتبرها مصدر تهديد ويقاومها ويقدم المساعدة للنظام القمعي؟!

القاعدة الصحيحة تقول إن الضحية أو «رهينة الابتزاز العقلي» لا يمكن أن تستجيب بأي حال من الأحوال للجلّاد أو القامع، فلا تشعر بالعطف نحوه، ولا تقع تحت تأثير الابتزاز الأمني، وترفض المساومة والقبول بالفساد ومظاهر القمع وآلياته مقابل الحفاظ على الأمن والحماية من الفوضى! الإنسان السويّ لا يقبل بهذا أو ذاك، يرفض القمع ويرفض الفوضى، يقاوم الجلّاد ويقاوم الإرهابي، يؤمن بالمؤسسات، ولا يؤمن بحصرها في الأشخاص.

أما أصحاب المتلازمة إيّاها، رغم أنهم من سمحوا بمحاصرتهم فكريًا، إلا أنهم أكثر من يحتاج الدعم النفسي والمعنوي، يحتاجون لإعادة تعريفهم بمفاهيم الخير والشر، السجين والسجّان، القامع والمقموع، والدولة والشخص، ويحتاجون أن يعوا أن ظاهرة إنكارهم لأي مظاهر قمعية ما هي إلا آلية عقلية للهرب من واقع مرير تحول إلى كابوس بالنسبة لهم ليسيطر على حياتهم بالكامل دون أن يشعروا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.