المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد براء Headshot

انهيار «الذوق العام» تحت أقدام «السبكيّة»

تم النشر: تم التحديث:

يتأثر «الذوق الشخصي» للأفراد دائمًا داخل أي مجتمع، بناءً على حواس الفرد المختلفة، ومدى استجابتها للمنبّهات البيئية المحيطة، ثم تفسيرها بعد دخولها مرحلة الإدراك العقلي وربطها بالخبرات الحياتية السابقة، والاستجابة الصريحة للمنبهات من حيث الاستساغة، فإما قبولها والميل لها، أو رفضها والنفور عنها.

ويُعَد «الذوق العام» جزءًا من ثقافة المجتمع، وأسلوب الحياة الذي يخرج من رحم أفكار وقيم متشابهة بين أعضاء المجتمع الواحد، ورغم «فردية» الذوق في الأساس، إلا أن هناك العديد من الضوابط والخصائص والقِيَم، التي يُخْلَقُ «الذوق العام» بمقتضاها، وإلا لما وجدت العوام يرفضون «الفساد»، أو يلفظون شخصًا يرون فيه الوضاعة، ويعلون من شأن آخر يرون فيه الجلالة، فـ«الذوق العام» موجود في كل المجالات الحياتية؛ كالفن، والأدب، والثقافة، والسياسة، والرياضة.. إلخ.

وعند دراسة تطور مراحل «السينما» المصرية ولو سريعًا للوقوف على «الذوق العام» في مجال الفن، سنجد أن مستواها قد انحدر، واختلفت نوعية الجمهور والمُشاهِد، واِسْتُبْدِلَت القضايا الحياتية المطروحة على الشاشة التي تمس المواطن، بأخرى فارغة المضمون والمحتوى، تعتمد على غرائز وشهوات فئة معينة من الجمهور، لتحقيق الربح المادي، والضرب بتقاليد المجتمع، والروابط الأسرية عَرْض الحائط.

وعندما تكتشف أن المرحلة الحالية للسينما، تحول مضمون الأفلام داخلها، ليُحْصَر المجتمع المصري بطبقاته وفئاته المختلفة، في «العشوائيات»، والحواري الضيّقة، ومتعاطي المخدرات، والراقصات، والعاهرات، والباحثين عن فتيات الليل، والأسلحة النارية والبيضاء، والسكارى، فلن تجد إلا «آل السبكي»، الذين نجحوا فعليًا في تسويق فكرة «البلطجي الجَدَع»، ليصطف المشاهدون في طوابير أمام شبابيك دور العرض، والتسابق لشراء التذاكر، فما المجتمع بالنسبة لهم إلا «عشوائية»، وما الموسيقى إلا «مهرجان»، وما البلطجي إلا «شَهْم»!.

وتقفز إلى الذهن عند الحديث عن جمهور السينما المُسْتَهْدَف، أسئلة مُلِحّة؛ فأى فئة من المشاهدين يملأ أفرادها كراسي دور العرض لمشاهدة أفلام «السبكيّة»؟، وما أعمارهم؟، ما اهتماماتهم فى الحياة؟، وهل متعلمون أم أميّون؟، ويمكننا فقط الإجابة عن سؤال واحد، ليجيب بدوره عن باقي الأسئلة، فتحديد فئة الجمهور تبدأ من الاطّلاع على الأعمار، لتجد الغلمان، والفتية، والشباب، هم المُسْتَهْدَفين.

شبابٌ في مقتبلِ أعمارهم، لم تصقلهم التجارب بعد، ويمتلكون من خبرة الحياة القليل، لم يجدوا في أفلام السينما إلا الأسلحة النارية، و«السِنَج»، ومطاردة العاهرات، و«الإفيهات» الخارجة، والسُكْر، والبارات، والكباريهات، وكل ما يرتبط بالليالي الحمراء من مشاعر ملتهبة، ولمسات ساخنة، تحت مبرر مكافحة ظاهرة العشوائيات!.

جيلٌ بأكمله دُمِّرَ ذوقه العام، وطُمِسَت حواس أفراده الداخلية، فلن يستطيعوا استساغة إلا كل ما هو قبيح، ولو لمسوا الجميل لتعجّبوا، فالعشوائيات بالنسبة لهم هي الأساس، والسب واللعن والبلطجة هي «فعل التواصل» الوحيد الذي لم يشاهدوا غيره، تتفكك في ساعتين من الزمن الأعراف المشتركة، وينهار النظام الاجتماعي لتعلو المشاهد الجنسية المداعبة لشهوات الشباب. فدائمًا ما يتميّز كل مجتمع عن الآخر، بعاداته وتقاليده، وتَنَوّع ثقافاته، واختلاف سلوكيات أفراده، ولكل مجتمع روابط غير مُعْلَنَة، تمتد في جذوره لتشكل ثقافته العامة، وتحدد ملامح النظام الاجتماعي الذي يعيش الفرد تحت مظلته، ولكل مجتمع أيضًا ممارسات اجتماعية مُحَدَّدَة تحافظ على أفراده وتحمى التقاليد المتعارف عليها للفعل داخله.

المبررون والمبررات، والمدافعون عن نوعية أفلام «السبكيّة»، دائمًا ما يبادرون بذِكْر أفلام «هوليوود» الهابطة، ويسارعون في إحصاء العدد المهول لأفلام المقاولات الأمريكية التي تُنْتَج كل عام مقارنةً بعدد الأفلام الهادفة هناك، مرددين المَثَل المُسْتَهْلَك «لولا اختلاف الأذواق لبارت السِلَع»!، من مُنْطَلَق أن المُشاهِد هو الحَكَم الأول، وعن طريقه يعلو نجم فيلم ما، أو يهبط إلى سابع أرض، ولكن.. هل يمكن تطبيق هذه القاعدة في السينما المصرية وسط احتكار «السبكية» لسوق الإنتاج السينمائي؟

يمكن القياس بمعيار «الكَم» عند تناول السينما الأمريكية، ولكن على المستوى المصري المحلى، لن تجد إلا «آل السبكي» يحتكرون سوق السينما، ما يُصَدِّر مشكلة أخرى، وهى قلة المنتجين الذين تركوا الساحة لـ«السبكية»، ليُهَدَّد الذوق العام، ويُخْلَق جيلٌ شهوانيٌ عنيف، ففي هذه الحالة، لا تجوز المقارنة مع هوليوود على الإطلاق، فالمشاهد المصري ليس أمامه إلا نوعية واحدة من الأفلام، وإن واظب على مشاهدتها لانحدر ذوقه العام رغمًا عنه، فالحصانة الثقافية تظل منيعة حتى مرحلة ما، وتنهار أمام الزخم الفكري السلبي المُوَجَّه إلى الشاهد.

وينعدم الدور الرقابي للدولة، وسط الأصوات المنادية بـ«الحرية»، والمطالبة بتَرْك حرية المشاهدة للجمهور، تحت مبرر أن كل فرد يمتلك من الحرية ما يؤهله لقبول أو رفض ما يُطْرَح عليه في أي مجال!.. بماذا أفادت المجتمع حرية من يتلاعب في المفاهيم الاجتماعية الراسخة؟، لن ينفعنا هذا النوع من الحرية عندما يشبّ جيل يتخذ من أبطال الأفلام الهابطة قدوة، ولن تنفعنا الرقابة المرتشعة في مواجهة شاب يؤمن بأن البلطجة «جدعنة». وعلى كل فرد نادي بـ«الحرية» الخادعة، وطالب بعدم منع الأعمال «الفنية»! أيًا كانت، ألا ينهر نجله الشاب عندما يمزح معه ويخبره في أي موقف «أديك في الجركن تركن»!، وعليه أن يعي أن حَمْل نجله الأسلحة البيضاء وقتما كان وأينما وُجِدَ أمر مشروع، وأن مصادقة العاهرات أمر طبيعي، فمن أفلام «آل السبكي» التي يدافع عنها استمد نجله شرعية كل ما هو شاذ عن المجتمع، لتتهاوى الأنظمة الاجتماعية، وينهار الذوق العام، وتتفكك الأُسَر تحت أقدام «السبكيّة».

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.