المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد براء Headshot

كَهَنة "فرعون" وفن "التطبيل"

تم النشر: تم التحديث:

يقولون إن للإعلام خصائص وصفات وجب تفعيلها للخروج بمضمون معلوماتى دسم، يلبى رغبة القارئ أو المشاهد أو المستمع، مهما اختلفت آراء الجمهور المُسْتَهْدَف وتوجّهاته، فوظيفة الإعلامى الأساسية، التجرّد لنقل الأحداث بموضوعية -والتى تختلف عن الحيادية-، تاركًا للمُشاهِد حرية الاعتقاد فيما يؤمن به دون محاولة توجيهه.

وتُعَد "الموضوعية" إحدى خصائص الإعلام التى نفتقدها في أوطاننا العربية وخاصة مصر، رغم بساطة تفعيلها والالتزام بالرصد والتدقيق، وليس فرض الرأي والتوجيه، وبالرغم أيضًا من إعلان العديد من الإعلاميين المصريين التزامهم التام بالحيادية.. "الحيادية" التى إذا سألت أحد الإعلاميين عن الفرق بينها وبين "الموضوعية"، سيجاوبك ببساطة "إنهما نفس الشىء!" وإلا ما كان وصف نفسه بالإعلامى الحيادى، ولكن يبقى السؤال الأهم... هل هناك أية وسيلة إعلامية، عربية كانت أم أجنبية، تتسم بالحيادية؟.

الجواب "لا"، فالحيادية هي السير تمامًا في منتصف الطريق، وعندها تنعدم رؤية المؤسسة الإعلامية، والذي من المستحيل أن يحدث، فالرؤية -وليس الرأي- هى ما تميز مؤسسة إعلامية عن أخرى، أو بمعنى أدق هي السياسة التحريرية الموضوعة لتسير علي نهجها المؤسسة، فعلى سبيل المثال للإيضاح، هناك مؤسسة إعلامية ما، تتفق رؤيتها وسياستها التحريرية مع الثورات العربية، فتتم ترجمة هذه الرؤية بشكل احترافي لتتجلى عبر المواد الإعلامية المنشورة، من تكثيف عرض التقارير الإخبارية عن الثورات مثلاً، أو استضافة رموزها والمشاركين فيها، ولكن إذا ظهرت تقارير غربية تشير إلي وجود مؤامرة ما وراء تلك الثورات، فعندما تلتزم الوسيلة الإعلامية بعرضها أيضًا، تكون قد حققت خاصية "الموضوعية" من نَقْل ورَصْد وتدقيق دون تحريف رغم المعارضة مع رؤيتها العامة، فباختصار شديد عندما توجد الرؤية، تنعدم الحيادية.

وعلى الإعلامى المخضرم مدّعى الحيادية أن يعلم أن هناك معادلتين في الإعلام لا ثالث لهما، فإذا التزمت المؤسسة بالرصد والموضوعية بجانب رؤيتها التحريرية أيا كانت، خرجنا بإعلامٍ احترافي، ومهنيّين محترفين، وإن اختلف المشاهد أو القارئ هنا مع المؤسسة الإعلامية، فهو يعلم احترامها في النهاية لجمهورها المُسْتَهْدَف. أمّا ادّعاء الحياد الذى لا وجود له من الأساس في مهنتنا، بالإضافة إلى المحاولات الصريحة لتوجيه المُشَاهِد وفَرْض الرأى، نخرج بإعلام أخرق متخبط غير تنويرى، يسعى للسيطرة علي العقول الهشّة غير الناضجة.

رؤية + موضوعية = رصد = إعلام احترافي

رأى + حياد مصطنع (عدم موضوعية) = توجيه = إعلام موالى

نَقْل الحقيقة كما اُنْزِلَت ورَصْد وقائعها، هو الهدف الذى يجب أن تسعى إليه كل وسيلة إعلامية، دون تلوّن أو محاولة للإقناع، أما في مصر، ينعزل الإعلام عن العالم أجمع، ينقل كل ما يتماشى مع أنظمته الحاكمة، ويمنع كل ما يخرج عن الأجندة الموضوعة بعناية، يتّبع أسلوبًا غير مباشر -أو مباشر في بعض الأحيان- في التوجيه، توجيه القارئ والمُشاهِد والمُستمِع إلى زاويةٍ ما لإحدى القضايا، ضاربًا بالخصائص الإعلامية وبأعراف المهنة عرض الحائط.

وأدركت الأنظمة العربية بعد اندلاع ثورات الربيع، خطورة وأهمية سلاح الإعلام في التعبئة والتوجيه، ودخل الإعلام مرحلة غير مسبوقة من التشويه والتدليس، فإما التهويل أو التصغير، ليس هناك وسط، ليست هناك موضوعية، وليس هناك رصد إلا ومن وراءه غرض غير مُعْلَن، لينقسم المشاهد المصرى إلى ثلاثة أنواع، الأول شغله الشاغل التنقل بين القنوات الفضائية للتلقين دون فهم أو ثقافة أو وعي، أو تحليل وربط الحقائق والأحداث، ومثل هؤلاء تراهن عليهم الأنظمة الحاكمة الشمولية لتكوين جمهور يهلل للحاكم و"يفرعنه"، أما النوع الثانى من المشاهدين فقاطع أصحابه الإعلام المصرى مقاطعة تامة لرفضهم حالة التخبط، وعدم احترام عقل المشاهد واتجه أغلبهم لاستسقاء المعلومات من مواقع التواصل الاجتماعى، أما النوع الثالث فيرصد أصحابه سقطات الوسائل الإعلامية وابتعاد الإعلاميين عن المهنية، في محاولة لتكوين إعلام بديل من خلال صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى.

المشاهد المُتّزن هو الذى يعى تمامًا الهدف الخفي وراء الرسالة الإعلامية، يقرأ ما بين السطور ويعلم أسلوب اللعب بالمصطلحات لترسيخ فكرةٍ ما، فالألفاظ والمصطلحات عليها عامل كبير في ترجمة رؤية المؤسسة الإعلامية وسياستها التحريرية، لا يتأثر بها ولا يتوجّه باتجاه الدفّة، فقط يشاهد، ويشاهد ويشاهد ليُشْبِع رغبته في جمع المعلومات، بل ويتأكد من صحتها، لا يردد ما يتلقاه من الإعلامى الذى تم تلقينه هو الآخر في الغُرَف المُغلَقَة قبل ظهوره على الشاشة -اللهم إلا إعلامى أو اثنين-، فقط يشاهد... يشاهد لتكتمل الصورة الذهنية لديه بشأن أية قضية، ولوضع كل شخص في حجمه الحقيقى، يشاهد هذا الإعلامى الذى أدّى اليمين وراء الستار لـ"فرعنة" الحاكم، لا لترديد وراءه الهتافات المُهللة، ولكن ليعلم أن هذا الإعلامى "مطبلاتى" كما نقول في مِصْر، وينتظر التاريخ للحُكم عليه، يشاهد ويشاهد الإعلامى المستقل الذى تحوّل دوره من الرقابى التقويمى، إلى التأييدى "التطبيلى".. يشاهد كهنة "فرعون" لا للإيمان بهم، ولكن لكَسْب الحصانة منهم، يشاهد ويقارن ويحلل ولا يتأثر، وينتظر.. ينتظر أن يحكم عليهم التاريخ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.