المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحمد الدمنهوري Headshot

حوار العقل والقلب

تم النشر: تم التحديث:

* ها قد بذلت وسعي حتى تعبت.. فماذا بقي؟!
- اﻵن، بدأت تفهم.

* تقول: بدأت، وأنا من قرأ وتعلم وناظر، وتأمل، ونظر وفكر!

- إن قلت (أنا) فما زلت ﻻ تفهم، تقيم حول ذاتك، ولن تجد سواها، ولو كانت كافية ما بحثت، وﻻ نظرت، فالحق داخلك، لكنك لن تدركه إلا بعد التجرد من النفس.

* هل كان ما أفعل هباء.. كل التعب واﻹرهاق، وساعات الحيرة والدهشة، واليأس والشك، ثم اليقين والسكينة؟ هل كان زيفاً؟
- بل حقيقة قادت إلى حقيقة، وليس ما وصلت له كلها، بل بقيت أشياء تحتاج إلى صبر وجلد، ورياضة ومشقة.

* فماذا عساي؟!
- أيها العقل، ستقود صاحبك، لكنك ستقف به على شاطئ الحقيقة دون سبر أغوارها، ستقف على عتبات الباب وناصية الحلم ﻻ تقوى على الدخول.

* أيها القلب، أنت تطلب اﻹذعان بلا دليل، وليس من شيم العقلاء فعله.
- هل تعي ما تقول؟ تطلب مني ألا أكون نفسي، وتفرض عليَّ ما تفهم أنت من معنى الدليل! هل تدري ما الفرق بيننا.. الفرق: أنك تبحث عن دليل، أما أنا فعين الدليل.

* كيف فعلتها؟
- عرفت نفسي.. فقادني شعور ﻻ يوصف ومعانٍ كثيرة إلى حقائق ﻻ يعبر عنها بكلام، بل تتضاءل أمامها الألفاظ، بل إن عبرت عنها نقصت من دلائلها، فغايتها أن تعرفها كما هي في لحظتها الأولى، ﻻ تنقلها عن حالتها حتى ولو على مستوى الفكر.. فضلاً عن اللفظ.

* فكيف السبيل؟!
- ﻻ سبيل أمامك إلا أن تعرف أن كثرة القراءات ومزيد الاطلاع وكل أوقات المطالعة ليس لها من هدف سوى أن تعلم معلومة واحدة.

* ما هي؟
- أنك ﻻ تعرف شيئاً.. وكلما قرأت ونظرت وتأملت ينبغي أن تزيد تلك الحقيقة في نفسك، وبقدر امتلائك بها بقدر ما تقترب، ﻻ سبيل لك إلا السجود على عتبات العلم الإلهي، علك يوماً تعي شيئاً.

* فإذا أيقنت ذلك وعرفت تلك الحقيقة، فماذا بعد؟!
- أنت في يد المشيئة الإلهية، يأتيك العلم بكراً من منبعه، فأكون أنا الموصل وأنت المفتاح، تعلم الحق عن طريق لا مصحوباً بالأدلة بل بما فوقها.

* وما الذي فوق الأدلة؟
- الاطمئنان والسكون، وهو أمر لا تصنعه كثرة الأدلة بالضرورة، فكم ظهرت أدلة لأناس لكن نفوسهم حالت دون اتباعها، أوَما تعلم أن إبليس يوقن بالوحدانية والرسالة والمعاد، فقد طلب من الله الإنظار إلى يوم البعث، فهو إذاً يقر بوجود الله وقدرته ويوقن بيوم البعث والنشور، لكنه أبى واستكبر.

* وهل يطمئن الإنسان لغير دليل؟
- كلا، لكن نوع الدلالة هنا ليس من ذلك النوع المعهود لك؛ لذا اعتاد أصحاب العقول عدم إطلاق اسم الدليل عليه مع أنه موصل إلى المطلوب ومرشد يهدي، فهو كذلك لا ريب فيه، بل فيه زيادة معنى الاطمئنان كما قلت.

* فما السبيل؟
- ارجع إلى حالة طفولتك، واعتمد على روحك حديثة العهد بربها، واجعل عقلك وحواسك معينات ووسائل لا غايات، وكن مع الله كالطفل بين يدي أمه لا يدري شيئاً ولا يعلم فائدة شيء، لكنه يريد أن يكون بجوارها ولا يطلب إلا منها.

* وهل هذا ممكن؟
- نعم، بل لا طريق غيره، لكن هذا يحتاج إلى تدريب.
* كيف؟

- كلما كبر الإنسان وتعرف على العالم اعتمد على حواسه وعقله، وظن أنه لا علم إلا ما كان من طريقهما، فتضمر روحه وتفقد وصلها وتنقطع عن أصلها، كالعضلة التي تضمر إن لم تستعمل.

* فكيف نقوي الروح كي تعرف وتتعلم وتستدل وتطمئن؟
- أجمع من اعتنى بهذا على أنه لا طريق لتقوية الروح كالذكر الدائم، لا سيما إن كان تحت نظر شيخ رباني.

* شيخ!! أنت تطلب مني أن أتنحى وأسلم نفسي لشيخ، هل هي الكهنوتية والعودة إلى عصور الظلام؟!
- لا تقس أوضاع دين محرف على دين الحق، فهذا خلل فيك شديد.. نعم، إن كان ما أقوله كهنوتاً فنعم الكهنوت، وإن سمته الشياطين ظلاماً فما ذلك إلا للتلبيس على الناس لا غير، ثم اعلم أنني لا أطلب منك أن تتنحى، بل أن تعرف قدرك؛ لأنك أيها العقل لن تصل في الحقيقة إلا لظلال منها، أما هي عينها فلن تكون إلا من الحق خالقك وخالقها.. أما سمعت "وقل الحق من ربكم"، فاحفظ هذا تفلح.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.