المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحلام مصطفى Headshot

هل سينقرض الأطفال؟

تم النشر: تم التحديث:

منذ أيام انتشرت في عدة مواقع إخبارية وغيرها نتائج دراسة ما تتحدث عن الأسباب التي تجعل النساء يهربن من العلاقات الزوجية وتحمل مسؤوليات الأمومة. وكانت النتيجة هي أنهن صرحن بأن هذه العلاقات تتطلب مجهوداً إضافياً وأنهن أفضل حالاً بدون بذل هذا المجهود وبالتركيز على حياتهن الخاصة ومسيرتهن العملية أو العلمية.

بطبيعة الحال، تبادر إلى ذهني سؤال بديهي يتعلق بدراسات مشابهة عن الرجال، فلماذا لا نسأل الرجال لماذا لا يعزفون عن الالتزام بعلاقات أو يميلون إلى عدم الإنجاب أو تقليل عدد الأطفال. يقولون لك بأن انتشار هذه الآراء بين الرجال ليس ملحوظاً بنفس القدر الذي نجده في النساء، ثم يقولون لأن غريزة الأمومة غريزة أنثوية وهي أقوى عند المرأة منها عند الرجل ولهذا فمن المفاجئ أن نجد من النساء من تهرب من فطرتها أو تتخلى عنها في مقابل وظيفة أو نشاط آخر.

ولكنهم يغفلون عدد الرجال الذين يبحثون عن الزواج الثاني بحجة الإنجاب، أو إنجاب الأولاد تحديداً، وينسون الرغبة الذكورية المتوارثة بأن يكون هناك وريث يحمل اسم العائلة، والتي وإن لم تكن غريزة طبيعية فهي دافع كافٍ لاتخاذ كل ما يستلزمه الأمر من تدابير لتحقيق تلك الغاية.

والحقيقة أنني أجد الأمر تجاوز هذا التفريق، لقد أصبح العزوف عن الزواج والإنجاب أمراً مشتركاً يتحدث فيه الطرفان بشكل تتعاظم نبرته ويعلو صوته يوماً وراء آخر. ومن يتخذ قرار الزواج أصبح كثير منهم يتخذ قرار عدم الإنجاب، أو تأخيره لأجل غير مسمى، ولو أنجب طفلاً فربما لا ينجب غيره. لذلك فإن التركيز فقط على النساء لم يعد مفيداً لأن المجتمع ككل أصبح بيئة معادية للأطفال.

ومن يتابعني يعرف كم أتناول مثل هذه الآراء فيما أكتبه من مدونات أو أناقشه على صفحتي الشخصية، لهذا فقد اعتدت سماع الحجج التي تساق لتدعم وجهة النظر هذه، ودعوني أقول بأن أكثرها ترداداً والتي يختبئ وراءها الكثير من الناس هي زيادة عدد السكان في كوكب الأرض، وأن إنجاب المزيد من الأطفال ليس في مصلحة البشرية.

بخلاف أن الكلام غير دقيق وغير موضوعي، فدعوني أحدثكم بالأرقام. الأرقام تقول بأن عدد الناس يزيد ليس فقط لأن عدد الأطفال يزيد، بل لأن أعمار الناس في ازدياد، نحن نعيش فترات أطول من ذي قبل، ولذلك فإننا نوجد على سطح الكرة الأرضية لفترات طويلة في نفس الوقت، ولهذا فازدحامنا يزيد. أما بالنسبة للأطفال، فالصاعقة التي يتحدث عنها الجميع مؤخراً هي كيف أن العالم يسير بخطىً واثقة نحو الشيخوخة، وليس الأمر بعيداً بل إن البعض يتحدث عن الخمسين سنة القادمة.

ابذل المجهود وأهّل نفسك وأنجب وأحسن التربية، وموضوع الماديات ليس له أية علاقة بتربية الإنسان الصالح الذي يتحلى بالرضا ويعيش حياة تسعده
سأشارككم بعض الإحصائيات من موقع World Bank والتي تبين ما يشكله عدد الأطفال بالنسبة لتعداد السكان الكلي، فبعد أن كانت النسبة 40% فما فوق في ستينات القرن الماضي بشكل عام أصبحت كالتالي: ألمانيا: 13.2% اليابان: 12.4% الولايات المتحدة: 19% مصر: 33% الجزائر: 29% ليبيا: 28% عمان: 22% الإمارات: 14%. وما يثير الدهشة أكثر أن نسبة الأطفال من عائلات ذوي الدخل المرتفع: 17 % بينما تصل عند ذوي الدخل المنخفض إلى : 43%. ما تعنيه هذه النسب أن أطفال افقراء الذين "تتنطط" عليهم اليوم بحجة الجهل والتعامل مع الأطفال كالأرانب هم الذين سيشكلون النسبة الأكبر من القوى العالمة التي ستوفر لك سبل الحياة وأنت شيخ قعيد.

سيقولون لك: وهل ننجب الأطفال وكفى؟ أليس من المفروض أن نربيهم أحسن تربية؟ أليس المفروض أن نوفر لهم أفضل سبل الحياة؟ هل العالم يصلح للإنجاب بوضعه هذا؟ وأجد هذه الأعذار غريبة جداً تكاد تتحدى العقل والمنطق. فإن كنت لا تريد أن ينجب الناس لأنهم غير مؤهلون ابذل المجهود أنت وأهّل نفسك وأنجب وأحسن التربية. موضوع الماديات ليس له أية علاقة بتربية الإنسان الصالح الذي يتحلى بالرضا ويعيش حياة تسعده. أما بالنسبة للعالم فهذه كانت حاله دائماً وستبقى فلا داعي لترديد ما لا يمت للواقع بصلة.

ثم هناك طبعاً الفئة التي أصبح مقبولاً جداً أن تعبر عن الضجر من الأطفال، أو التأفف من فكرة الإنجاب لأنها تفسد حياة الإنسان. نعم الأمر متعب والله يعلم وحده كم يستهلك المرء ويستنفذ من طاقته وأعصابه، لا جدال في ذلك ولا أقول بأنه ليس من حقنا أن "نفضفض"، ولكن غالب من يتحدث بتلك الصورة غير ذوي أبناء. بالأمس مرّ عليّ شيء من هذا القبيل، على طراز أنا لا أحب الأطفال ولا أحب ما يفعلونه بحياة المرء وكيف يغيرونها.

المشكلة بالنسبة لي تكمن في نقطتين:
الأولى: من قال بأن الحياة يجب أن تسير دائماً وفق ما تشتهي أو على الصورة التي تريحك؟ مع الوضع في عين الاعتبار أن ما تشتهي وما يريحك قد لا يكون في مصلحتك.. لذلك فاستخدام هذه المعايير في الحكم على الأمور يصدر عن جهة غير موضوعية وهي نفسك التي يحكمها غالباً الهوى والركون للراحة والابتعاد عن المسؤولية.

والثانية: هي نظرتنا القاصرة للإنجاب والتي تقف عند قوله تعالى: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، وتترك: "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا"، "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ"، "أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ".. وكأن الله خلقنا ووضع فينا القدرة على الإنجاب لتحقيق رغبتنا الأنانية في التكاثر فقط وليس لسبب أسمى وأكثر عمقاً يتعلق بمكاننا في سلسلة الحياة البشرية بل وباختبارنا الشخصي في هذه الحياة.

نتحدث كثيراً عن آثار الإنجاب وتربية الأطفال على الأهل ولكنه دائماً حديث يركز بصورة أساسية على الآثار المادية فقط، الأموال والمجهود البدني.. أما قضية أن الإنجاب هو اختبار للنفس والروح، وسبيل لتزكيتها ومجاهدتها، وباب مفتوح لتحسين الفعل البشري بتحسين السلوك، سلوك الآباء والأبناء معاً.. فلا يتم التحدث عنه كثيراً.. نتحدث عن ثياب وألعاب ومدارس وننتهي إلى شيوخ في خريف العمر وقد أدوا مهمتهم في الصرف والتأمين حتى تزوج الأبناء وانتهى الأمر.. ولكن ماذا تعلمنا نحن من الرحلة؟ وماذا ورثنا لأبنائنا؟ لا يلتفت كثير منّا لهذا..

لماذا لا نتكاثر بالبيض أو يأخذ منا الحمل بضعة أسابيع قليلة؟ لماذا لا نكبر خلال شهور ولماذا لا نتعلم كل شيء دون الحاجة لمُدخل خارجي؟ هل نحن حقاً بسطاء التفكير لدرجة أننا غير قادرين على رؤية الحكمة من وراء هذه المنظومة التربوية؟ هدفها تربية المجتمع ككل وليس فقط أطفالنا؟ هدفها أن يحتفظ العالم دائماً بذلك الجزء البريء منه حتى لا يسيطر عليه الحمقى والأنذال؟

هل سينقرض الأطفال؟
لا، ربما لن ينقرض الأطفال، ولكننا سنعاني كثيراً إن بقيت أعدادهم تنكمش هكذا مع مرور الوقت، وسنعود لنحلم بعالم مليء بهم من جديد. وربما علينا بدلاً من أن نستثمر الأموال في كل الوسائل التي تطيل عمر الإنسان وتؤجل شيخوخته وكأنه يريد أن يخلد في الأرض، علينا أن نستثمر بعض الوقت والمال في بناء مستقبل لهؤلاء المقبلين علينا من الغيب، لعل الخلاص يأتي معهم.

هذه التدوينة منشورة على موقع الجزيرة مدونات

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.