المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحلام مصطفى Headshot

هل تتعب النساء؟

تم النشر: تم التحديث:

لا لم تنهكني بعد حقيقة أني أم وزوجة وابنة وأخت، لم أتعب من الحمل ولا الإرضاع ولا مسؤوليات البيت، ولم أتعب من الاهتمام ببناتي ولا من تربيتهن، لم أتعب من عملي ولا من أنشطتي خارجه، ولم أتعب من تحديات الحياة ولا العالم الذي نعيش فيه. ولا أتمنى لو كنت رجلاً، فأولئك لهم مصائبهم الخاصة.

ولكنني ضقت ذرعاً من أنني لا يمكنني التعامل بصورة صحية من انتمائي إلى مجموع نسائي في جزء كبير منه لا يفعل شيئاً سوى أن يجعل الحياة أصعب على أفراده، القيل والقال وكثرة السؤال، ولماذا لا تفعلين هذا، وعليك أن تفعلي هذا، هناك دائماً شيء يقال. تعبت من كوني مع كل ما أفعل في جوانب حياتي حتى أنأى بنفسي عن هذه التقييمات، وحتى أعطي أخريات أملاً بأن الحياة فيها ما هو أكبر وأهم، ولكن الذي أمامي لا يرى في سواهما.

تعبت لأنني أعي كم الجهد الذي أبذله، ولكن لسبب ما قررت امرأة أخرى أن تتغاضى عن كل ذلك وتشعر بالأسى لأنني لا أبدد وقتي في الركض وراء ابنتيّ حتى أتأكد من أن شعرة من شعراتهما لم تتحرك من مكانها، أو لا أهتم كثيراً بآخر صرعة في عالم مساحيق التجميل وصبغات الشعر، أو لا أبدد أموالي على تصاميم الملابس الجديدة. وكأنني عندما أبلغ ال50 لو أحياني الله سأندم على كل هذه المهام العظيمة التي تركتها، وسأنظر لعائلتي وما حققته في عملي أو دراستي وأقول: يا لخسارة الوقت الذي أنفقته عليكم! وصدقيني يا عزيزتي ليس المهم شكلك في الخمسين، ولكن صحتك في الخمسين وهذا لا يعتمد على نوع الكريمات التي تستخدمينها ولا على لون صبغة شعرك، هو طعامك ونومك ورياضتك.. فقط لمعلوماتك "يعني".

تعبت من زميلتي التي تعرف جيداً أن أداءنا الدراسي متماثل ولكنها تصر على أن تذكر بكل شفقة أنني أم وأنني لا أجد الوقت الكافي لأنضم لبقية الطلبة في أنشطتهم فائقة الأهمية من رحلات وتجمعات حول الموائد وفناجين القهوة، دون أن تضع في عين الاعتبار أنني ربما أفضل قضاء الوقت مع عائلتي؟!

تعبت من محاولات الإثبات الدائمة بأنكِ الأفضل وأنها الأفضل، وتعبت من سعيي الفاشل لكي تصل فكرة أنني لا أكترث بإثبات أفضليتي لمن هو أمامي. تعبت من الهمز واللمز وتحريض الآخرين، من التحاسد والغيرة والمقارنات، من اللف والدوران وفقدان المصداقية، والمشكلة الكبرى أننا نتقبل كل تلك على أنها ذكاء اجتماعي.

تعبت من حقيقية أنني أتأثر بكل هذا بطريقة أو بأخرى، بخيبة الأمل أو الرغبة في الصراخ، بالحزن والإحساس بأنني لا أنتمي، بفقدان الرغبة في التعامل مع الآخرين أو بسلوك دفاعي متوتر أكره نفسي بسببه.

تعبت حتى أصبح ترديد عبارة طنش تعش لم يعد يجدي، لا أستطيع أن أتجاهل ولا أن أتغاضى، لا أستطيع أن ألعب لعبة كل بعقلهم حلاوة، أو خلص نفسك، أعرف جدياً أنني بشر ولي أخطائي، وأن جزء من مشكلتي هو أنني أفتقد "مهارة" إرضاء الآخرين بالكلمة والفعل السطحي الخالي من المعنى، ولكن من يعرفني يعرف أنني عند الحاجة الحقيقة وفي اللحظات والمواقف والقضايا المؤثرة بحق لا أستطيع إلا أن أعطي كل ما عندي. فإن كان ما أجده نتيجة لهذا الطبع في نفسي، فقد جربت أن أتغير و"أتلحلح" وأساء لي الأمر كثيراً وأرهق نفسي، ليست كل الشخصيات قادرة على جمع التناقضات، وأنا أعي أنني أميل بشدة للجانب الآخر.. لا يوجد أحد كامل وهذا هو ما ينقصني.

ينقصني أن أذكر نفسي بأنها حياة فانية، وأن الكلمات غير مؤثرة، وأن الأفعال الصغيرة حتى وإن تكررت ودامت ليس بالضرورة أن تنعكس على حياتي، ينقصني أن أردد دائماً على مسامعي أن هناك ما هو أهم لتغضبي من أجله، وهناك ما هو أهم ليعكر صفو حياتك.. أما كل هذا فلا يستحق.. ينقصني أن لا أغفل عن حقيقة هذا التأثر، الذي غالباً ما يكون كبرياءً مجروحاً أو إحساساً بعدم تقدير أرى أنني كسبته بما بذلت. ينقصني الكثير من الهدوء والعزلة واستعادة الاتزان، وتنقصني رؤية الله في الخلق.

ستقولون الرجال أيضاً هكذا، ولكنني لم أحتك بأوساط الرجال حتى أحكم عليهم، لذلك سأترك لهم أن يتحدثوا عن أنفسهم. ولكن نحن النساء علينا أن ندرك أننا نوجه انتقامنا إلى أنفسنا، فإن كان المجتمع ظالماً والحياة غير عادلة لك كإمرأة، فأنت تتسببين بأذى مادي ومعنوي لنساء أخريات فقط حتى تعوضي ما ينقصك، تتنافسين مع طواحين الهواء حتى تمتلئ الفراغات بإحساس زائف بالرضى عن النفس، وتذكري دئماً عزيزتي أنك تفعلين ذلك وأنت التي قارَنت أمك ومعلمتك وبائعة الجرجير بينك وبين أختك وابنة الجيران وزميلة الدراسة، فشعرت بالمرارة والأسى، وها أنت الآن تعالجين هذا بأن تخوضي معاركك الوهمية مع نساء أخريات.

إن كنت حقاً لا تهتمين بما يريده منك المجتمع ولا نظرة الناس إليك فلا داعي لكل هذا. وضعي مجهودك في قضايا أخرى أكثر أهمية تفيدين بها الناس في أوقات فراغك، أو طالعي، أو تأملي، تمتعي بالسكينة، وتوقفي عن تصديق أن ما تفعلينه ضروري كجزء من الحياة، فأنا وأنت نعرف أنه ليس كذلك.

هذه التدوينة منشورة على موقع الجزيرة مدونات

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.