المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحلام مصطفى Headshot

عندما تفشل كل خططنا.. ماذا نفعل؟

تم النشر: تم التحديث:

تحدثت في الأسبوع الماضي عن فكرة العمر والطريقة التي نتعامل بها مع مرور الزمن. وقد جاءتني تعليقات كثيرة تقول: وبالنسبة لمن لم تسعفه ظروفه حتى يستطيع أن يحقق كل ما يريد خلال حياته أو أن يستثمر وقته كما يشاء بسبب مواقف وضع فيها دون اختيار؟ أو من يكون مسؤولاً عن إخوة وأهل أو من يكتب عليه الفقر والحاجة، أو من يصاب بمرض أو عجز يقعده عن الإنجاز؟ ماذا يفعل كل هؤلاء بأعمارهم؟ ولماذا نظلمهم ونقارنهم بمن توفر له كل شيء في الحياة وتسهلت له كل أوجهها؟

منذ بضعة أيام شاهدت تسجيل لفتاة فقدت سمعها عندما كانت في التاسعة عشر من عمرها، كانت تغني وتعزف قبل ذلك وتوقفت بعد مرضها. ولكنها قررت أن تعود للغناء والعزف مرة أخرى وتقدمت للمشاركة في برنامج للمواهب. عندما سؤلت لماذا أصرت على ذلك، كان جوابها أنها تريد أن تفعل في هذه الحياة ما هو أكثر من الاستسلام.. ستقولون غناء وعزف؟ هل هذا هو الصراع الذي تحدثيننا عنه. لا، أنا أحدثكم عن فتاة صماء لا تسمع صوتها ولا ما تحدثه أصابعها من لحن، ولكنها تعلمت أن تحس وتشعر حتى أتقنت العزف والغناء كما يتقنه المعافون. أحدثكم عن فتاة فشلت خطتها وكسرتها، وجعلتها تتوقف وتستلسم فترة من الوقت ولكنها قررت أن الأمر لا ينبغي أن ينتهي هكذا.. فسمعها لن يعود إذا جلست آسفة على نفسها، ولكنها يمكن أن تستعيد ما تحب وتتقن إن تغلبت على ما اعتراها من ضعف.

أحد الآباء اكتشف أن ابنه مصاب بالتوحد، وكان عندها غير ملم بطبيعة المرض ولا بما يترتب عليه، عندما تعرف على التفاصيل أصيب بالصدمة.. فهو الذي كان يتوقع ابناً سليماً طبيعياً ككل الأطفال يلعب ويكبر ويذهب إلى المدرسة، وجد نفسه يهتم بطفل له حياة خاصة، تركيبة عقلية مختلفة، قالوا له ربما لن يتكلم، لن يتواصل، لن يعبر عن مشاعره، ومن المستحيل أن يدخل مدرسة كغيره.. كان من الممكن أن يستسلم الرجل لكل هذا.. أن يتخلى تماماً عن ابنه ويتعامل معه وكأنه إنسان معطوب ويكتفي بإبقائه على قيد الحياة وكفى.. ولكنه قرر أن لا أحد من حقه أن يخبره بما يمكن لابنه أن يفعله وما هو مستحيل، فغير الخطة.. وغير طريقة تفكيره.. وأصبح هو من يحاول فهم طفله لا العكس، وهو من يتعلم منه كيف يرى العالم والحياة وكيف يخترق عالمه ويتواصل معه، حتى تمكن الولد من الكلام والتفاعل وتجاوز كل التوقعات.

لهذا فنحن عندما تفشل خططنا المبدئية أمامنا أن نختار الاستسلام لظرفنا الطارئ ونترك الأمر ونقول ما باليد حيلة ونركن على حائط القضاء والقدر، ولكن عندها ليس من حقنا أن نشتكي أو نتباكى. كل شيء في هذه الحياة اختيار.. اختيار بين الترك والأخذ، بين المقاومة والاستسلام، بين المنع والعطاء، بين الحب والبغض!

نعم نحن نختار أن نحب أو نبغض!

كنت أستمع مؤخراً إلى حلقة من برنامج "ومحياي" بعنوان: عافية المشاعر، والتي يذكر فيها أن البغض تحديداً هو نشاط مرتبط بأجزاء الدماغ المسؤولة عن المنطق والإدراك! وليست مجرد مشاعر لا إرادية، أي أنك تتعمد أن تبغض وهو شر مع سبق الإصرار والترصد. والحب كذلك هو سلوك واختيارات، وليس مجرد هرمونات وتغيرات كيميائية مجهولة المصدر. هب أنك نشأت طول حياتك وأنت تتعلم بأن الإنسان السارق شخص جيد، ذكي وماهر ويعرف كيف يحصل على ما يريد، لا أنه شخص ظالم يبخس الناس حقهم ويسلب تعبهم، هل كنت لتنفر ممن تعرف أنه لص؟ حتى دون أن يكون بينك وبينه تعامل حقيقي؟ على العكس غالب الأمر أنك ستتشوق للقائه، أي أنك أخذت قراراً بحب الشخص والإعجار به وفقاً لما تعلمته عن اللصوص وليس وفقاً لتجاربك معه. والأمثلة من حياتنا اليومية كثيرة.. فالقيم كلها أصبحت خاضعة للتسويق والتزيين في أعين الناس.

لذلك عندما نتحدث عن الاختيارات يجب علينا أن ندرك أنها تتم حتى على مستوى المشاعر، فما بالنا بمستوى الأفعال وردود الأفعال؟ ما بالك وأنت تملك حرية الاختيار في كل حركة تقوم بها وكل كلمة تنطق بها؟ لماذا لا تتوقف عن التدخين؟ لا أستطيع فهو أمر يحدث رغماً عني، ولكن الحقيقة أنك اخترت أن تضعف وتستسلم لرغبتك وتسلطها على منطقك وقدرتك على الحكم. لماذا لا تعاملين فلانة بصورة طيبة حتى تستقيم الحياة وتصبح أكثر سلاسة؟ لا أستطيع فهي تستفزني، والحقيقة أنك اخترت أن تقدمي نزعة الشر على نزعة الخير التي فيك. لماذا لا تنهي دراستك؟ أشعر بالتعب طوال الوقت ولا أستطيع التركيز والدراسة مملة، وربما كل هذه الأمرو حقيقية، ولكن ماذا ستفعل حيالها؟ المتعب يعالج، والتركيز يحتاج جهداً، والملل يمكن تجاوزه.. وهكذا.

لسنا كرات تتدحرج بلا وجهة ولا طريق تأخذها الدرب أينما انبسطت وتحيد عن كل عقبة. لسنا كائنات مسيرة لا تملك من أمرها شيئاً حتى تلقي بكل شيء على القدر، فلكل قدر هناك اختيار يأتي معه، وأنت من تقرر أي طريق ستسلك، وطالما أنك بذلت من الجهد وحسن التأتي ما يوافق أقصى قدراتك فلن تحتاج عندها لتعلل والتبرير، بل ستقول هذا ما قدمت وهذا ما وجدت.

أخيراً، نحن بحاجة لإعادة التفكير فيما نسميه إنجازاً وما نسميه فشلاً، فهل ترك العمل لتربية الأبناء فشل؟ وهل ترك التمتع بالصحبة والترفيه لخدمة الأهل يعد فشلاً؟ وهل احترام رغبات الزوج أو الزوجة في مقابل الاستجابة للضغط المجتمعي يعد فشلاً وانعدام شخصية؟ هل عدم الحصول على معدلات عالية في المدرسة في حين أنك تبرع في مهارة البرمجة مثلاً أو التصميم أو الأعمال الحرفية يعد فشلاً؟ الفشل هو انعدام الفائدة، الفشل هو السكون، الفشل هو أن تمضي الحياة وأنت لم تبذلها في خدمة الناس والتحسين من نفسك بصورة تجعلك قادراً على نفعها ونفع الآخرين. هناك من يقضي حياته في الكثير من الإنجاز، والحصول على الكثير من المال، والكثير من السفر، والتسوق، والتملك، والترفه، فهل كانوا ناجحين حقاً؟

لذلك قبل أن نتحدث عن فشلنا علينا يا أصدقاء أن عيد تعيين الفشل، ثم نعيد تعيين الظروف القاهرة، ثم نعيد تعيين الاختيارات المتاحة أمامنا.. قليلون منا من يوضعون في مواقف تنعدم فيها كل قدراتهم وتنسد في وجوههم الطرق، فلا تستعيروا حياتهم حتى تبرروا استسلامكم.

هذه التدوينة منشورة على موقع الجزيرة مدونات

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.