المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحلام محمد البدري Headshot

الثقافة في ليبيا تحت مطرقة الحرب

تم النشر: تم التحديث:

الحرب ليست قراراً اختيارياً، إنها فرض، حين يبدأ الظلاميون بخروجهم مع نعيق البوم الأسود يخيّم السكون على الأوطان والخوف يسكن الجوانب، تُطفأ أنوار المنازل ويهيم أهل المدينة نازحين مثقلين بالهموم يعتصرهم ألم الانتظار المبهم وسط الطرقات المعتمة وبقايا ذكريات مترامية على قارعة الطرقات.

كلما خرجت للشارع وتنأى عن مسمعك تلك المشاكل المشبعة بالألم سيتضح لك أن الكل في ليبيا يعاني، يتوسد الجميع ذات الغطاء من عدم وجود دولة لها دور فعلي على أرض الواقع انعدام للاستقرار السياسي في غياب العدل الاقتصادي وسوء التخطيط واختفاء مشاريع استثمارية تواكب عجلة التطور ومؤشرات مرتفعة لتأخر الزواج لدى الجنسين على حد سواء، الممارسات الخفية التي أصبح لها تأثير نفسي عكسي على الشباب نتيجة للكبت المفرط وعنف السلاح وتبعات الحرب وغياب الأمان، فحتماً الفرح في حياتهم يصبح باهتاً، والابتسامة مختفية عن الملامح، وتجاعيد العبوس تغزو الوجوه، والأرواح مسكونة بالوجع، الحرب لا تفرق ولا تعرف المهادنة، فقط تزيد من أعداد المقابر وتدفن معها كل ما هو جميل بين أكوام الرماد، فيصبح سعي الإنسان فيها لتوفير لقمة عيش يقضمها على مضض وغطاء يقيه برد الشتاء.
في السابق كان حرمانهم من ممارسة أنواع الفنون المختلفة تحت الأمن الداخلي، اليوم أصبح حرمانهم تحت أذرع أخطبوط الإرهاب، غائبة دور الفنون وبراح الثقافة دار واحدة مازالت صامدة في العاصمة طرابلس، ليبيا منذ السبعينات لا توجد بها صالات سينما موسمية وخشبة مسرح بمواصفات تليق بتاريخها العتيق، تبحث كاميرات المصورين ولوحات الفنانين الموهوبين والمحترفين عن قاعات مجهزة خصيصاً لمعارض رسم ونحت وصور فوتوغرافية، حضور خجول لأجندة مهرجانات ثقافية وطنية أو عربية تجمع شتي المدن تُثرى الذاكرة وتُبهج النفوس بعيداً عن عصا الحرب، إذا ما تتبعنا فقط ما يحدث بعد الثورة فسنجد منذ أواخر عام 2012 والساحة الثقافية فقيرة.

أحداث تتعاقب واحدة تلو الأخرى، انتبه في خضمها الكثيرون لأحداث تلتهم جراب الثقافة، جامعة بنغازي التي تأسست في عام 1955 ومكتبتها العريقة قد التهمتها ألسنة النيران، وأمسيات البيت الثقافي (حوش الكيخيا) أمست صدى يحبو في الذاكرة، حين طالت القذائف ذلك المبنى العريق الذي يعد جزءاً من ذاكرة المدينة العتيقة، فقد بُني في عهد حكم العثمانيين وكانت تسكنه عائلة من عائلات بنغازي، ظل الجد ويليه الأحفاد يسكنونه محافظين على تصاميمه ليقوموا بتسليمه الى جهاز المدينة القديمة، ويتم افتتاحه من جديد واعتماده كبيت ثقافي احتضنت أروقته الأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية والمعارض، لتمر سريعاً على شرفة قصر المنارة، وهو من المباني التي تم بناؤها إبان حكم الايطاليين لليبيا، وقد أوصدت أبوابه بقفل بلا مفتاح بوقوعه في منطقة اشتباكات مسلحة - ولَكَم جمعت هذه الشرفة من متذوقي الشعر وعشاق الثقافة والمناظرات وفنون الخطابة، فكانت أبوابه مفتوحة طوال الأسبوع للفن والأدب دون تمييز.

وزارة الثقافة والإعلام، مسمى يتبع الحكومة غير المعترف بها ظاهرياً، والحاكمة ضمنياً تحت وطأة السلاح، ووزارة الثقافة والإعلام والمجتمع المدني مسمى تحظى به الحكومة الشرعية ظاهرياً والغيبوبة تلفها داخلياً، وزارتان يتقنان البروباغندا الإعلامية وتُجيدان السكب بالدلو الفارغ تحت سور الثقافة المتصدع.

باتت الصحف الورقية التي من المفترض أن تحتضنها الوزارة في خبر كان، غياب لفعاليات ولمعارض كتب مدعومة تكون في متناول الجميع تنمي ثقافة الاطلاع والقراءة وتزيد من استجلاب هواة مقتني الكتب.

تغيب صورة المشهد الثقافي بحلتها المتكاملة وقد غادر ساحتها المبدعون تباعاً رحلوا في غياهب الموت بلا وداعٍ يليق بهم في مواكب مهيبة تحترم عطاءهم بمعانيه الكبيرة، الكثير منهم ترك إرثاً وبصمة في مجاله لا تتكرر، في غياب معاهد للموسيقى تتبنى تنمية المواهب وتعليم النوتة الموسيقية تحت أيدي الأساتذة المتخصصين، أمر لا يمكن أن يتحقق إلا فيما ندر، ربما الاجتهاد الشخصي للتعلم هو ما اتخذه الهواة سبيلاً، حصة الموسيقى في المدارس تم إلغاؤها منذ ما يقارب العشرين عاماً او أكثر، وبالتالي بتنا نرى أجيالاً لا تتذوق الموسيقى ولا تجيد الاستماع الجيد للنوتة واللحن الشجي.

المواهب لا تجد احتضاناً مكتملاً لصقل إبداعهم والأخذ بأيديهم لإعادة الإرث الثقافي بتفاصيله وخصوصيته المكانية والزمنية، فحتماً توثيق الذاكرة ومساربها حِملٌ سيكون على عاتق المثقفين، والمثقف الليبي غاب دوره الفعال تحت مطرقة الحرب.

هوامش للتوضيح:
- حوش الكيخيا اسم يطلق على البيت الثقافي في بنغازي نسبة الى العائلة التي كانت تملكه.
- الأمن الداخلي هو جهاز أمني استخبارتي في عهد النظام السابق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.