المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أحلام العلوي Headshot

قوالب الشوكولاتة.. الجاهزة

تم النشر: تم التحديث:

حين تكونين سمراء اللّون وقصيرة القامة ونحيفة بعض الشيء، يعتقد الجميع أنّك قادمة من مكان ما.. غريب عنهم..

أذكر أنّني في أيّامي الأولى في الجامعة كنت أراقب الفتيات اللواتي بالشكل الذي ذكرت (وكنت أشبههنّ قليلا).

تأتي الفتاة متعبة بأحمال السّفر، مثقلة بالحنين وبدعوات والدتها.. والأمل المبعثر حولها معلّق في قطرات الماء التي سكبتها وراءها جدّتها لتعود وقد أفلحت..

لتزيد سماراً ونحافة!

تراقبها المدنيّات، تراقبنها بتعجّب..

طبعاً، أنا لا أستغرب هذه المشاهد، لأنني تربّصت فيها طويلاً، قبل الذّهاب الى الجامعة.

وامتحنت كلّ أنواع النظرات..

أقواهنّ تلك النظرة البلهاء المتسائلة من أين أنت وأين تقع قريتك ومدينك وولايتك التي لا تعترف الخريطة "الكلاس" بها أبداً.

كان على اللواتي يغادرن قراهنّ أن يمتلئن قليلاً بل كثيراً بحبّها والفخر بها حتى يواجهن كمّ الجهل الذي سيرمي حملاً فوق أحمالهنّ.

وبعدها تبدأ الأسئلة المتعجرفة حول اللّهجات واللّكنات..
"من أين أنت؟"

هكذا تصنّفين، تقذفين فوراً الى خانتك المناسبة
من هنا تبدأ القوالب الجاهزة بالتشكّل..

في بلدنا، وفي جلّ البلدان العربيّة، نتفنّن في صنع الطوائف..

تصنيفات أينما حللت..

يكفي أن تتراءى من بعيد على شاكلة معيّنة، أن تتحدّث بطريقة معيّنة، وأن تتبنّى فكرة معيّنة، وتخرج للنّاس بهيئة معيّنة لنضعك فوراً في الإطار الذي لا يرفعك أساساً.. ندسّك دسّاً..

أذكر أنّني عشت سنوات أبحث عن ثوب لا يرمي بي في قفص طائفة ما، ثوب لا يصنّفني مع أولئك أو هؤلاء.. ثوب يقول عنّي إنّي أنيقة وجميلة وكفى.
يبدو الأمر بسيطاً جدّاً ولكنّه معقّد معيق.

أن لا تكون حرّاً في ما تلبس، في ما تنبس، في ما تسمع، وكيف وأنّى وأين تسير! أن يحاصر فكرك وتختنق روحك في قالب اختير لك بحماقة فائقة فقط لشكلك وما أنت عليه بظاهر.. أمر عاصف.

نحن نصنّف غير المحجّبة، نحيلها مباشرة الى الصراط المؤدية الى جهنّم تصلاها سعيراً.. نرمي بها خارج دائرة الرّحمات..

ونصنّف المحجّبة.. ولهذا الصّنف فروع عدّة لا أكاد أحصيها.. تختلف بطول ما خمرت به رأسك وبسعة ما أسدلت على جسدك.

وعليك أن تتحمّلي لعنات اختيارك..

نصنّف الجنوبيّة والشماليّة، الغربيّة والشّرقيّة

نصنّف أهل البحر والنسمات العليلة، وأهل الصّحاري ولفحات الحرّ..

نصنّف أولي اللّحى، وأصحاب التسريحات العجيبة..

حتّى محبّي الموسيقى

لأنّ لكلّ طائفة موسيقاها الخاصّة !

أهل اليسار كانوا قد سبقونا في احتكار أغاني الشيخ امام والشعر الجميل، وكان درويش خاصّا بالقوميّين.. العاشقون المولعون أسروا كاظم حين غنّى ونزار حين كتب.. الثائرون استحوذوا على أغاني الثورات والبطولات أغاني القدس والحلم الواعد بالنّصر القادم.. الاسلاميّون "اللايت" خفيفو الالتزام، المتفانون في تزيين صورة التديّن صُرّح لهم أن يستمعوا الى ماهر زين وسامي يوسف، والملتزمون جدّا في أولى نفحاتهم، يباح لهم الاستماع لأغاني الرّاب القويّة المتحدّثة عن المسيح الدّجال وعن الساعة اذا ما قامت.. ثمّ، حين يلتحقون بركب المسافرين مباشرة الى جنّات الخلد يحلّ لهم الاكتفاء بالمأشّرات الصّوتيّة فالموسيقى إثم عظيم.

وأنت، عليك أن تختار، أن تغيّب ذوقك تماما، أن تلغي أذنك الموسيقيّة وتملأ مذكّرة جهازك الذّي يفوقك ذكاء بالأغاني المناسبة لانتمائك.
وبذلك تكون قد نصرت فئتك..

أغاني فيروز وحدها لم تخن الفنّ، ظلّت مرفوعة في لوح محفوظ عن كلّ أطر الانتماء.. أخلصت للصّباحيّين المتفائلين المستبشرين! الذين لا يأسفون على إزعاج من سبق ذكرهم، الذّين كان انتماؤهم الوحيد.. للحياة! حبّاً وأملاً وابتساماً! والأوفياء للرّقص على أوتار السّلام.

قس على ذلك كلّ الأمور..
الأمور التي تظهر تافهة بسيطة من بعيد، التفاصيل التي تغرز بحدّة خنجرها المسموم فينا، التي تفكّكنا، وتشتّت قوانا.. التي تضبط حدود العيش أمامنا.. هي هذه..

نظرتنا من زاوية واحدة صغيرة جدّا، شطحات أفكارنا، وضيق رؤانا.. تجعلنا نقيّد الآخرين بدواخلنا ونقيّدنا.. نرمي بهم وبنا وسط زنزانة الطّوائف.. ونضرب بالمطرقة بقوّة لرفع جلسة المحاسبة.

جميعنا سجناء قفص ما.

قلوبنا أساسا هي مرتع الطّوائف، لا الأرض ولا الثروات ولا أمريكا ولا المؤامرات.. انقساماتنا تكبر فينا، في دواخلنا.. بإرادتنا.. وكما نشاء.. نحن نجلس جلسة قاض مُرافع أينما حللنا.. ونسير واضعين النّاس في أطرهم أينما ذهبنا..

والحقيقة هي أنّنا نهرب.. نهرب من حرّياتنا واعتقاداتنا وإيماننا.. نلتجئ إلى سقف طائفة ما لنحتمي من دويّ شكوكنا وصخب عقولنا وأحاديث أنفسنا اللامتناهية التي لا تخرس، باحثين وراء الجدران عن أمان مزيّف صامّين في وجهها الآذان..

نختبئ لأنّنا ربّينا وكبرنا وصرنا بقلب يخشى أن يكون حرّا..

نحن لا نرى دواخلنا أبدا.. ما نراه فحسب قوالب جاهزة.. وضعناها وصنعناها.. وأسرنا أرواحنا فيها.. قسرا ودفعا.. لا نهتمّ لشظايانا التي تكسر وجمالنا الذي يخدش وأشيائنا الخاصّة التي لا تحويها الأطر..

نصرخ ثائرين مطالبين بالحرّية والأغلال أساسا نحن نغرسها فينا ونثبّتها ونتشبّث بها.. بشدّة وقوّة تفوق علوّ صراخنا..
هي هذه مصيبتنا، تصنيفنا لأنت وهو وذاك وهؤلاء

مصيبتنا الأزليّة!

للذين وقفوا ثابتين، لم يعصروا ولم ينصهروا ولم يتجمّدوا لتحتويهم القوالب، لأصحاب التراكيب النّادرة التي لا تقبل الانتماء، الباحثين حقّا عن الحرّية، للذين مازالوا يرقصون، ويسمعون الأغاني القديمة والسمفونيّات، ويحبّون، ويضحكون.. أنا ممتنّة.. جدّاً!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.