المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هيثم صلاح Headshot

لاءات العاجزين في قضية "الإخوان المسلمين"

تم النشر: تم التحديث:

لا للحوار مع الانقلاب المجرم القاتل.. لا للتنازل عن شرعية الرئيس محمد مرسي.. لا للتنازل عن القصاص لدماء الشهداء. هكذا تتلخص استراتيجية القيادة الحالية لجماعة الإخوان المسلمين لمواجهة إجرام النظام الحالي وإسقاط الانقلاب العسكري الذي أطاح بالديمقراطية الوليدة في مصر.

يذكرنا هذا بقمة الخرطوم التي عقدت في 29 أغسطس/آب عام 1967 في أعقاب أكبر هزيمة عسكرية في التاريخ العربي الحديث، حين دمرت القوات الجوية المصرية واحتلت الجولان والضفة الغربية وسيناء كاملة.

ورداً على هذا السحق القاسي جاءت اللاءات الفارغة كما تأتي اللاءات الفارغة نفسها الآن من جماعة هزمت بشكل لا مراء فيه في مواجهة النظام المنتصر الباطش. تشابه الموقف عجيب للغاية ليس من جهة وطأة الهزيمة المتكررة، ولكن من قِبل الأطراف، فالإخوان المسلمون وهي الخصم التاريخي للأنظمة الشمولية العربية اتبعت نفس الأسلوب الذي اتبعه أعداؤها في موقف مشابه، لعبت هذه الأنظمة فيه دور المهزوم.

فرقتهم دائماً السياسة ووجهات النظر التي يسعى من خلالها كل طرف إلى الوصول للسلطة وجمعهم العجز. بعد الهزيمة وتدمير الجيوش جزئياً كانت العروش -الملكية منها والجمهورية- عاجزة عن فعل أي شيء، فلاذت بلاءاتها مستمدة من صداها في واقعها الأجوف سبباً للبقاء المشؤوم.

وبعد أن ثبت الانقلاب أركانه كانت قيادة الإخوان التاريخية عاجزة عن فعل أي شيء، فاتخذت من الاءات ستاراً للعجز المفجع. وعليه.. عندما تسمع اللاءات في واقعنا العربي... فتفقد العجز.

إنما الـ"لا" موقف سلبي لا يترتب عليه أي تغيير، فالذي يغير على الأرض الأمور لصالحه لا يحتاج لقول "لا". قال الحكام العرب في الخرطوم: "لا سلام مع إسرائيل"، والحرب كانت قد انتهت أصلاً بنصر مبين لإسرائيل، ولا توجد جيوش صالحة لإشعال حرب جديدة معها. وقالوا: "لا اعتراف بإسرائيل"، وقد كانت تنهب الأرض من تحت أقدامهم، وقالوا: "لا مفاوضات مع إسرائيل"، وأنَّى لإسرائيل القاهرة حينئذ أن تحتاج للتفاوض معهم؟! كانت لاءاتهم تحصيل حاصل... ملأ لفراغ العجز بهواء الكلام.

قال "التاريخيون": لا للحوار مع النظام الانقلابي.. وهو يقتات داخلياً على اعتبارهم حركة إرهابية ويواجههم بالتصفية، بينما يسعى لدى كل العالم ليتم التصنيف نفسه دولياً. وقالوا: "لا للتنازل عن القصاص لدماء الشهداء"، والقتل اليومي مستمر والقتلة يحصدون البراءات. وقالوا لا للتنازل عن شرعية الرئيس مرسي بينما أوشكت فترته الرئاسية على الانتهاء آخذة معها شرعيتها بعد أن أهدر القادة أربع سنوات دون إحداث أي تغيير يذكر. تحصيل حاصل كأخواتها الخرطومية.. ما أشبه الليلة بالبارحة.. لا ينفك هذا المثل يطرق باب التاريخ.

المؤسف أن القيادة الحالية -بحكم تغييرها لمسار الأمور فعلياً- قد صنعت عجزها الذي أصدرت لاءاتها كستار له. فقد حاصرت رجال العمليات النوعية في جماعتها، التي رصدت مراكز أبحاث سياسية تصاعدها، وكان من الممكن أن تمثل ورقة ضغط قوية في المستقبل ضد النظام إذا تم دعمها وزيادة فعالياتها وتنظيمها بإحكام في إطار برنامج سياسي هادف، والأسوأ أنها فعلت هذا دون أي مقابل، إذا كان التاريخيون مقتنعين بالمسار السلمي وحده كان من الممكن أن يساوموا النظام بهذه الورقة على إطلاق سراح المعتقلين... النساء فقط... أي شيء، ولكنهم لم يفعلوا فقط ألقوا الورقة من يدهم وفرضوا قناعتهم وفقط.

يوماً ما سئل كيسنغر عن الثمن الذي سيدفع لمصر مقابل طرد الخبراء السوفيات... رد ببساطة: "لِمَ أدفع نقوداً فيما حصلت عليه بالمجان؟"

بالتأكيد هذا النقد ليس لرفض الحوار مع النظام وليس دعوة للتنازل عن دماء الشهداء؛ بل هو رفض للمواقف السلبية التي نحبس أنفسنا تجاهها، لم ينجح رفض أي إنسان للواقع تغييراً فيه ما لم يقُم بخطوات عملية إيجابية لتغييره. وفي السياسة تتأكد هذه القاعدة مضافاً إليها وجوب رسم خطة مرتبة الأهداف والمراحل لتغيير الواقع الذي دائماً ما يكون معقداً تتصارع عليه الإرادات وتتنازعه القوى.

فمتى تتحول يجب أن يتحول رفض الحوار مع الانقلاب إلى عمل جاد على إسقاطه باستهداف نقاط ضعفه وتحييد عناصر قوته، والعمل على إقناع المجتمع الدولي بعدم جدوى دعم الانقلاب عبر إظهار عدم قدرته على فرض الاستقرار، وتقديم البديل الحقيقي القادر على إدارة الدولة إذا سقط الانقلاب.

ويجب أن يتحول رفض التنازل عن شرعية الرئيس مرسي إلى إعادة تقييم لهذه الشرعية ومدى ملاءمتها لأهداف الثورة، يجب أن يتحول الرفض وانتظار سقوط المرفوض إلى عمل إيجابي على إسقاطه.

كان هيكل يحكي عن عبدالناصر أنه تبنى نظرية لإسقاط إسرائيل سماها "السنطة وشعرة ذيل الحصان"، وتعتمد على علاج تقليدي للسنطة -و هي بثور يصيب الجلد- كان منتشراً حينها في قرى الصعيد؛ حيث يأتون بشعرة من ذيل حصان ويُحكمون ربطها بقوة حول البثور، فينقطع عنه الدم ويذبل ويموت.

وكان عبد الناصر ينوي قطع الدم عن إسرائيل حتى تذبل وتموت، ولكن الذي حدث أنها أراقت دماءنا أنهاراً. مرة أخرى يقف التاريخ مشدوها أمام تشابه فكر "التاريخيين "مع فكر عدوهم التاريخي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.