المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أفنان جمال الدين تاج الدين Headshot

ثلاثة أعوام من العزلة

تم النشر: تم التحديث:

توقفت كثيراً أمام تلك الصفحات البيضاء قبل أن أجمع أمري على الكتابة، تستفزني كثيراً الصفحات البيضاء للكتابة فيها، ليست المشكلة في ما سنكتب، ولكن في كيفية إخراجه من داخلنا، كيف نسطر مشاعرنا على الورق هل يمكننا القيام بذلك؟
ربما لا لأن التفاصيل مرهقة للغاية، تأخذنا في بحرٍ لا نجاة منه..
ثلاثة أعوام من العُزلة.. نعم، اختيار مُوفق لهذا المقال.

تمر بنا السنوات وتتركنا في مكاننا كما نحن، منذ ثلاثة أعوام، منذ ذلك اليوم الذي تغيّرت فيه الأقدار، لم يُحرك أحد ساكناً، وكأن الوقت قد توقف فعلياً عند ذلك اليوم..
ماذا حدث؟ لماذا؟ كيف؟! ماذا سنفعل الآن؟
الأسئلة التي لا تنفك تدور بداخلنا طوال الوقت، كلما مرت ذكرى هذا اليوم عُدنا إليه ثانياً.. كمن دخل في غيبوبة دائمة يستفيق منها على الألم.

إن ما حدث هناك يجسد الكُفر بالأعمال، من قتلٍ للأنفس والتمثيل بالأجساد وانتهاك حرمة المسجد وعدم تقديس لكتاب الله، ما حدث هناك مذبحة نفسية قبل أن تكون بشرية، أصابت من أصابت هناك ومن لم يكن هناك أيضاً لم يسلم من عذابها.

مَن فقد ولده ومَن فقدت زوجها ومَن فقدت أخاها والخسارات متعددة والموت واحد!
لماذا لم نبكِ كما ينبغي؟ هل جفت الدموع؟ والصرخات المكتومة؟ أين نذهب بها؟ هل نحن خائفون؟ ممن؟ ولماذا؟ لماذا يدّعي البعض جاهداً أن اليوم كمثل أي يوم آخر؟ لماذا تنكرون ما حدث؟

ربما لأن ما حدث يفوق قدرتنا على التعبير.. على البكاء وعلى الاستيعاب.
الأمر يفوق قدرتنا على النسيان والمُضي قدماً.. كيف نمضي قدماً ونترك وراءنا كل تلك الدماء والشهقات والاستغاثات؟

منظر الدماء السائلة كالماء على الأرض، والأجساد المخترقة بالرصاص حتى ألِفنا ما رأينا وأصبحنا نتمنى فقط أن نجد جثة من قُتل! تشوهت إنسانيتنا، ومعايير تقبلنا للأمور قد طُمست!

الكتابة عن هذا لن تقتل، ولكنها شبح سيطاردك في كل مكان، الكتابة تدفعك دفعاً للشعور بما تحاول إخفاءه جاهداً..لماذا تُخفيه؟

كيف يمر اليوم الآن بسرعة الضوء ومنذ ثلاثة أعوام مر كأنه قرنٌ من الزمان؟ كأننا اليوم ما لبثنا غير ساعة، ولكنه كان حينها كألف سنة مما تعدون! هل ما يُقال صحيح؟ أن الحرب وحدة قياس غير محددة للزمن؟ تنطوي فيها الخيبات والآلام؟ كأن نقول مرت حربٌ وبضعة أشهر؟

ربما.. لكن ما حدث لا يُعد حرباً، نحن لم نواجه، نحن فقط استسلمنا للموت وانتظرنا.. انتظرنا لأننا لم نملك خياراً آخر أو ربما من هول الفاجعة لم نقوَ على المقاومة.. لم أكُن هناك ذلك اليوم، لكنّي فقدت هناك جزءاً مني، فقدت ضحكات من حولي وبريق أعينهم، لم يعودوا كما كانوا.. لم يعودوا ولن يعودوا ثانياً، لقد تركنا هناك قطعاً من أرواحنا في تلك الأيام وقد احترقت هناك مع مَن احترق.. لن تعود.

قضينا هناك أياماً وليالي مثالية، كالمدينة الفاضلة، ربما لذلك السبب لم تكن لتستمر.. عايشنا هناك ملائكة.. مئات الشهداء عايشناهم ولم نعرف أنها أيامهم الأخيرة معنا.. أم أنها فقط آخر أيامنا نحن؟ بلى، هم في نعيمٍ مقيم.

رحل الأنقياء، تركونا هنا في هذا العبث، ونحن نعتقد أنهم هم مَن ماتوا؟ لا بل هم أحياء وأهل الأرض أموات!

لم يعُد الفقد مخيفاً بعد الآن.. أو الموت أو الدم.. اعتدناهم! اعتدنا أن ندفن أصحابنا ونكمل المسير.. متى كبرنا لهذا الحد؟ لم نعُد نخاف أن تصيبنا طلقات الرصاص أو زخات القنابل.. لم نعُد نحزن للأخبار السيئة، نحن نعيش بروحٍ هشة للغاية تكاد تنكسر من أقل حزن يمسها.. نحن منعزلون عن أنفسنا وأرواحنا منذ ثلاثة أعوام..

متى نرجع؟ هل سنرجع يوماً؟ هل يمكننا العيش كما كنا في سلام؟ بعيداً عن كل تلك الأخبار المخيفة والمُفزعة؟ هل سنتمكن من النسيان يوماً ما؟ نحن إن شئنا أن ننسى تذكرنا! وكأن الذاكرة تتفق معهم علينا.. هل فقدناهم حقاً؟ هل مات مَن مات واختفى مَن اختفى واعتُقل من اعتُقل؟ أين ذهبوا؟ ولماذا لم نذهب معهم؟ من هُم هناك خلف الجدران، كيف هم؟ متى يرجعون إلينا؟ حتى متى ستظل قطعاً منّا بعيدة عنّا؟ لماذا لا نبكيهم كل يوم حتى يعودوا؟ لأنهم أبطال، لأنهم شهداء، ولكنهم أولادنا وأهالينا! فلذات أكبادنا قابعة في جدران تئنُ من ظلم وقهر!

حتماً سيحين الوقت الذي سنجد فيه إجابات لكل شيء، بالتأكيد! وسنحكي حقاً ما حدث، ربما ليس الآن، ولكنه سيأتي.. سيأتي الخلاص قريباً فنحن لم يعد بنا الكثير من المقاومة.. أوشكت على الانتهاء!

أوشكنا على الموت من الضحك من تلك الكوميديا الأرضية التي لا نهاية لها.. لم يعُد هذا العالم يغرينا للعيش، عَفَنُ الواقع منعنا من رؤية أي شيء يستحق الكفاح من أجله، لا يمكن حقاً أن يصير كل ذلك عبثاً في النهاية أليس كذلك؟ فالحياة لا تؤلمنا عبثاً..
وحدهم الشهداء والمعتقلون هم الحقيقة الثابتة لما حدث وما زال.. هم فقط من يثبتون أن ما حدث ليس حُلماً أو محض خيال.. وتستمر بداخلنا التساؤلات: ماذا حدث؟ لماذا؟ كيف؟ّ! ماذا سنفعل الآن؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.