المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أفنان جمال الدين تاج الدين Headshot

حضرة السيد "غياب"

تم النشر: تم التحديث:

ضيف.. وما أدراك ما هذا الضيف!
السيد غِياب، ضيفٌ ثقيل لا يمر مرور الكِرام، يقتحم بيتك من دون استئذان، ويمكث ما شاء له المكوث، ويرحل أو لا يرحل أبداً، عندما يدق بابك لا تملك إلا أن تفتح له رغماً عنك، ضيفٌ حتمي على كل مَن حولنا، يتأتى لهم في صورٍ مُختلفة، يتمثل في أشخاصٍ لا يخطر ببالنا أن يتمثل فيهم، ولكنه يفعل، ينتزعهم منّا بالقوة، ويظل يرقبنا بعينٍ باردة، إما أن يأخذهم للأبد، أو يأخذهم لفترة لا عِلم لنا بِها.

ترددت كثيراً قبل أن أكتب هذا المقال، ربما لأنه شخصي أكثر من اللازم، ربما لأن مَن يدور حوله المقال هو شخصٌ انتزعه الغياب مني ولم أستطِع حتى الآن أن أعبر عما بداخلي، وأعتقد أنه مهما حاولت فلن تُسعفني الكلمات، أؤمن للغاية أن هناك بعض المشاعر يَصعُب على العقل البشري أن يصوغها في كلمات، ربما تظهر في النظرات والشهقات وربما في الدموع!

شاورته في الأمر "هل تعتقد أني يجب أن أكتب عنك؟ عن كل ما حدث؟ أعتقد أنه مهما حاولت لن أقدر.. الأمر يفوق الكتابة"، كان رده هادئاً ومحايداً وعطوفاً كعادته "يمكنك المحاولة، الكتابة تساعد كثيراً، ولكن استخيري أولاً إن كان الأمر محيراً بالنسبة لك".

الأمر ليس مُحيراً يا رفيقي، بل كيفية التعبير عنه هي التي تجعل العقل في حالة من الإعياء، الأمر ليس بهذه السهولة، أن تسرد في بضع كلماتٍ ما حلَّ بك في أعوام، أن تختزل كل لحظات الألم والفراق في سطورٍ متتالية خالية من الروح، لا توجد كلمات كافية يمكنها أن تصف ما تشعر به في لحظة من الألم لفراق أحدهم.

لا يمكن لأحد أن يصف الغياب تحديداً، لكن يمكن القول بأنه شيء ينتزع جزءاً منك ويترك مكانه فارغاً من كل شيء!

يتركك هائماً زاهداً فيما حولك لا تُريد شيئاً إلا عودة من غاب، ترقب وجهه فيمن حولك ربما تراه، تنقص الفرحة دائماً من غيره، ويصبح من الصعب أو من المستحيل أن يقوم أحد بملء هذا الفراغ الذي تركه.

أؤمن أيضاً أنه لكل شخص في حياتنا مكانه الخاص الذي مهما مكث فيه ورحل لا يمكن لأحد غيره أن يملأه، كبصمة الإصبع التي تنتمي لكل منا بصورة خاصة لا تتشابه أبداً، يتركنا غياب أحدهم في انتظارٍ دائم للعودة، نظل نردد دائماً "سيعود قريباً".. ولا يعودون.

يتجدد الأمل كل نهار، ويتبدد بالليل مع حلول أول ذكرى أو مع ترائي طيف ابتسامة، أعتقد أن ألم الغياب لا يقل، بل يعتاده المرء منّا حتى يظن أنه تلاشى، ومع أول ضغطة على منبت الجرح يعود المرء إلى نقطة الصفر.

زارني السيد غياب منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام، سميتُ كل عامٍ فيها عام الحزن، كل عام مرّ عليّ كان يزيد الغياب من ثقله حتى لم يعد بمقدوره أن يزيد أكثر، انتزع الجزء الأجمل من حياتي، أخي الحبيب والرفيق الذي لم أعتَد الحياة دونه من قبل، الغياب دائماً ما يحسن الانتقاء، دائماً ما ينتزع الشخص الذي لا يمكنك أن تكمل الطريق من دونه، لم يترك لي الغياب سوى بضع صور له تكشف ابتسامته الهادئة دوماً التي أفتقدها في كل لحظة وبضع دقائق كل فترة أراه فيها لا تسمن ولا تغني من جوع، وسريره الفارغ منذ ثلاثة أعوام الذي أتمنى أن أستيقظ ذات يوم وأراه نائماً فيه، وزجاجة عطره الفارغة التي لم يتسنَّ له ملؤها وبقيت رائحتها تطاردني لمدة لا بأس بها.

عانيت في تلك الأعوام ما لم أعانِه في أعوامي كلها، حتى هذه اللحظة تمرّ عليّ أوقات تعود بي ثلاثة أعوامٍ إلى الوراء، أشعر فيها بنفس الشعور المؤلم الذي قاسيته حينها، لا لم أعتَد غيابه قط ولن أعتاده حتى يعود، لا يمكن الاعتياد على غيابِ شخص يمثل جزءاً مُهماً في حياتك، إن لم يكن الأمر مستحيلاً ستظل دائماً بحاجة إليه، أدركت حقيقة الغياب في تلك الأعوام، أدركت ما يعنيه أن تمضي قُدماً وأنت ينقصك أحدهم بجانبك.

الغياب في النهاية أمر حتمي دنيوي يقتضيه العيش في الدنيا، ولكن لا بد دائماً من وجود شيءٍ مضيء في كل عتمة، في تلك الأثناء، وحين تظن أن الحياة توقفت عن المُضي، وفي انتظار أن يرحل ضيف الغياب الثقيل عنك، يرسل الله نجوماً ثاقبة، تنير ظُلمة سمائك قليلاً، تهوِّن من وطأة الغياب شيئاً فشيئاً، أشخاص يرسلهم الله رحماتٍ لنا يرسمون البسمة على وجوهنا مجدداً، ربما ينتظرون أيضاً معنا أن يرحل الضيف الثقيل، ولكن حينها يصبح الانتظار معهم هيناً.

ربما يعود الغائبون، ولكن سنجد في النهاية مَن يشاركنا اشتياقنا إليهم أو ينسينا ألمنا من دونهم، ويمضي معنا قُدماً، وربما في النهاية.. سيرحل السيد غياب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.