المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أفنان عصام فواز Headshot

فرصة ثانية أم الأخيرة؟

تم النشر: تم التحديث:

في كثير من الأحيان يأخذ التفكير حيزاً كبيراً من عقلنا، لا نسعى لإشباعه فوراً، فنترك أنفسنا في حيرة رغم امتلاكنا لجميع الأدوات التي تمكننا من الوصول إلى حل، ولكننا دائماً ما نتمهل في البحث.

ولقد لازمني سؤال طيلة حياتي أجابَت عنه أمي عندما لجأت إليها بعد كثير من الوقت، حين ذهبت إليها سائلة: "ما ذنب مَن وُلد ووجد نفسه على غير ملة الإسلام؟ هل هذا ظُلم له؟"، أجابتني إجابةً بسيطةً تركت في نفسي أثراً كبيراً؛ حيث ردت قائلة: "يتصف الله بالعدل، لا يترك أحداً دون أن يرسل إليه رسالة أو فرصة ليعود ويرجع له، ولكن تلك الفرصة تعتمد على الشخص نفسه، هل قام باستغلالها أم تجاهلها ولم يأخذها بعين الاعتبار؟".

سرحت بخيالي في تلك الكلمات القليلة، ولكن تطرق تفكيري إلى المسلمين أنفسهم الذين أصبحوا مسلمين بالفطرة، لم يهتموا ليعرفوا عن دينهم الكثير، هل هربوا من تعاليمه الذي لم يكن على أهوائهم؟ أم أنهم لم يتربوا على أن يكون دينهم في أولوياتهم؟ وهل يحتاجون لنفس الفرصة من الله؟ أعتقد ذلك.. إذاً فالله يمنح الفرص لجميع البشر، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، ولكن الفرصة تأتي فقط للذي يبحث، يشعر به الله فينقذه بفرصة يعطيها له لم يكن يتوقعها قط!

استمر عقلي في أن يراودني، كيف للإنسان أن ينتبه للفرصة من الأصل ويعرف أنها رسالة الله إليه؟ ألهمني الله أن أذهب لصديقة لي قد لاحظت عليها علامات تغيير من حال إلي حالٍ أفضل، وقلت لها مباشرة: "قُصّي عليّ ما الذي أدى إلى تغييرك بهذا الشكل الملاحظ؟"، تنهدت قليلاً وبدأت تحكي تجربتها: "كنت أعيش كل لحظة في حياتي باستمتاع، أفعل ما يجول بخاطري بغض النظر عن مدى صحته أو خطئه ورغم أن شيئاً ما بداخلي كان يعلم أنني لم أكن على الطريق الصحيح، إلا أنني لم أكن أنتبه له، وكنت أخشى الاعتراف به، حتى جاءت فترة اشتدت فيها الأحداث ببلدتي وكان لديَّ بعض الأصدقاء يشاركون في تلك الأحداث ويذهبون إلى الميادين، وفي يوم من الأيام قابلت واحدة منهم فاقترحت عليّ أن أشاركهم، رفضت في البداية، لأني وجدته شيئاً لم يكن من اهتماماتي، ولكنها كانت تلحّ عليّ بصفة مستمرة مما أدى إلى موافقتي، لم أكن أشعر بهول الموقف، وأنني ذاهبة إلى عمل عظيم، كنت أظن أنني ذاهبة لأقابل بعض أصدقائي، ولكن بشكل مختلف، بنكهة ثورية، ما المانع في أن نخوض تجربة جديدة؟!

ذهبت معها ذات يوم، ولكن وجدت نفسي بين أُناس يختلفون تماماً عني، أُناس يعيشون على مبادئ وأهداف واضحة، متعاونين جميعاً على رفع الظلم. ورغم شعوري باختلافي الشديد عنهم، إلا أن شيئاً ما كان يجذبني لهم، شيئاً جعلني أواظب على النزول في ميادين وجودهم.

وبالفعل انتظمت في المشاركة حتى تطورت الأحداث مع الوقت وبلغت ذروتها، وكان التحول بالنسبة لي منذ تلك اللحظة الحاسمة التي اشتدت فيها الأحداث، وبدأ الرصاص، وها قد سقط فرد أمام عيني من أثر الضرب الشديد.. سقط في لحظة واحدة!

شعرت بأحاسيس مختلفة في تلك اللحظة لم أشعر بها يوماً، رأيت الدنيا وهي صغيرة لا تستحق المحاربة من أجلها، دعوت الله أن ينجيني؛ لكي يصبح لديَّ الفرصة الكافية كي أعيش الحياة الصحيحة، وبالفعل أخرجني الله دون أن يحدث لي شيء؛ لتتحول حياتي من بعده، وبدأ يتسرب إليَّ أن الله دبّر كل شيء لكي أكون على ما أنا عليه الآن، هو الذي أرسل صديقتي من البداية لتتحول حياتي من بعدها..".

واصلت تأملي وتدبري في ألفاظها وكلماتها التي تخرج صادقة من القلب؛ لتخترق قلبي وتحدث فيه أثراً عظيماً، فقد وجدت صديقتي أحسنت استخدام فرصة الله لها!

تركتني وأنا بكامل سعادتي، فقد أجابت الإجابة المثالية على السؤال الذي كنت أسأله لأمي، بل بالدليل القاطع وبموقف حي!

ولكن عاد تفكيري لنقطة البداية، كيف لرب بهذا الكرم والرحمة يظلم مَن هم على غير ملة الإسلام لمجرد نشأتهم في تلك البيئة؟ هل تصل إليهم رسائل الله مثلما وصلت لصديقتي؟ أصبحت شغوفة بالبحث عن الفرص التي يعطيها الله للبشر وبالبحث عن المسلمين الجدد كيف عرفوا الله وكيف تلقوا رسائله رغم بُعدهم أشد البعد عن الطريق؟ حتى أرسل الله لي قصة أخرى أثناء بحثي، حين سمعت راويها يقول إن حكايته مع الإسلام بدأت بسماعه لشخص يُرتل القرآن في جامعته، تركت آيات القرآن في نفسه أثراً عجيباً، وبدأ بالبحث عنه وعن معانيه، أصبح يقرأ من القرآن ليتعرف عليه، ولكن كان ينتابه شعور بالخوف في معظم الأحيان عندما كان يميل إلى القرآن، يشعر بالخوف من عائلته وترك دينه وعاداته التي تربى عليها، ولكن حُسم الموقف عندما أرسل الله له رؤية أثناء نومه، فقد حلم بموته، استيقظ مفزوعاً وذهب إلى صديق مسلم، وقال له: "أريد أن أنطق الشهادة"، أخذ تلك الخطوة دون أي تفكير وأسلم في تلك اللحظة المؤثرة.

زاد يقيني بعد تلك القصة أن الله يعطي الفرص لجميع البشر بالفعل، ولكن منح الفرص يتوقف على مدى انتباه الشخص لها، هل وضعها في الحسبان أم تجاهلها؟ أتأمل كلامه، هل مجرد مروره على شخص يقرأ القرآن كانت هي بداية إسلامه؟ كم كانت بسيطة‍ ولكنه أحسن استخدام الفرصة أيضاً!

سبحانك يا الله.. وسعت رحمتك كل شيء، تُنطق أشخاصاً من أجل آخرين.. وتُهيئ مَن يكون في ذلك المكان ليقرأ القرآن من أجل شخص آخر؛ لتتبدل حياته بأكملها.

فكل يوم جديد في حياتنا فرصة أعطاها الله لنا لنرجع إليه، فتأملوا فرص الله جيداً، فلربما لا تأتي سوى مرة واحدة في الحياة.. وأحسنوا استخدامها حتى تتذوقوا حلاوة الأنس بالله.. أظن أن مقابلتي لصديقتي ومقابلتي لتلك القصة من بين قصص كثيرة كانت رسالة من الله لي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.