المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عفاف المرواني الإدريسي  Headshot

اليوم العالمي للغة الضاد

تم النشر: تم التحديث:

أنا لو لم أكن علمية التوجه، لكنت أدبية بطبيعة الحال، ولوقفت في حيرة من أمري يوم تسلُّم شهادة الباكالوريا في أن أختار بين اللغتين العربية والإنجليزية لإكمال الدراسات العليا.

أسرتي الصغيرة تحتفل باللغة العربية في كل وقت، وليس كل سنة كما اليوم العالمي لها، فلا يمر يوم إلا ونتحدث عن نحو كلمة ما وإعرابها أو عن مدى صحة عبارة ما أو -كما اعتدنا أن نفعل سابقا- نجتمع دوما لنراجع قصائد شعرية تقليدية أو مقامات على غرار مقامات بديع الزمان، تنظمها أختي لما كانت في المرحلة الثانوية وهي تتفوق على مستواها الدراسي بكثير، فيتعجب والدي لما يراه من إبداع وبراعة -نظرا لسنها- في نظم الأشعار والمقامات وكتابة القصص القصيرة.

أما أختي الصغرى التي لا يتجاوز عمرها الحادية عشرة، فقد كانت تحادث الزوار وأصدقاء والديّ باللغة العربية الفصحى فَيُدهشون منها ويضحكون افتخارا بها ويصرون دائما على أن تكمل الحديث معهم إلى آخره فيمنحونها جائزة قدرها دراهم معدودة تطير بها فرحا، وإلى حدود سنتها الثامنة لم تكن تتحدث "الدارجة" بسلاسة؛ فقد كان يصعب عليها في كثير من الأوقات التعبير عن مصطلح ما بالدارجة المغربية فتأتي به دقيقا من اللغة العربية التي تعلمتها من الرسوم المتحركة وتصفح الكتب والقصص التي كان يجلبها والدي لنا عندما كنا صغارا، فنطالعها بشغف ونأخذ منها ما يكفينا، من العبارات والمرادفات والأضداد، للاستعمال يوم تطلب منا المعلمة كتابة نص إنشائي حول عطلتنا الصيفية أوحول قيمة البيئة في حياة الإنسان.

وأما أنا فيعتبرونني أقلهم معرفة وإتقانا لهذه اللغة لكوني اتبعت مسلكا علميا، رغم أني أشاركهم دوما في نقاشات جدية حول إعراب كلمة ما في القرآن الكريم، أو حول المعاني التي يحملها بيتٌ شعري مستعصٍ، كما أني ألتزم بجلسات الإستماع الخاصة بوالدي حين يحمل جهاز الآيباد ويباشر في قراءة ما نظمه من شعر أو ما كتبه من نثر وهو يرتشف قهوة الصباح، كما أني أحفظ عددا لا بأس به من الأبيات الشعرية وكذا أسماء وجنسيات الشعراء والأدباء العرب.

نحن نحب اللغة العربية ونفتخر بها، نتحدث بها أحيانا كثيرة في بيتنا، نستمتع بقراءة نص نثري أو بالاستماع لقرص مدمج لإحداهن وهي تؤدي شعرا للمتنبي، نحن متعلقون بأصحاب المعلقات السبع وكلنا واجب عليه حفظ مقدماتها الطللية، نحن نقرأ لحسان شاعر الرسول الذي وصف عائشة الصدّيقة بالحصان الرزان ونقرأ للخنساء أخت الرجال عندما ترثي صخرا بإبداع لا متناهي، نحن يمر نهارنا مع "كان" و"إن" وأخواتهما ومع الإعلال والإبدال وأسماء التفضيل وأدوات الآلة ومع المبالغة من طباق وجناس ومقابلة ومع شعرٍ حر لمطر وأبي ماضي ونازك ودرويش وآخر تقليدي للمهلهل وشوقي والبارودي والسياب ومع نثرٍ بديع للسيد قطب أو المنفلوطي والعقاد.

لو لم تكن اللغة العربية في حياتي، لما عرفت معنى للإبداع والإتقان، لما انبهرت واستمتعت بأعلى درجات البلاغة والقوة والرصانة والمتانة والغنى، لما تعرفت على الجاحظ وخزانة كتبه التي أودت بحياته ولا على دهاء سيبويه وابن جني والشيرازي وبراعتهم وعظمة إنتاجاتهم، ولما فهمت السبب وراء تسمية تأبط شراً الشاعر الصعلوك، ولما تأملت حبا عفيفا جمع بين عنترة وعبلة ولا جنونَ عشقٍ يرويه قيسٌ عن ليلاه العامرية، ولما عشقت الاستماع لكوكب الشرق وهي تغني لناجي وشوقي ولما أحببت نزاراً في قارئة الفنجان لحليم وفي إبداعات كاظم الآسرة.

لو لم أكن عربية لاخترت أن أكون كذلك، ولو لم تكن لغة الضاد في حياتي لتمنيت أن تكون كذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.