المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان شيط  Headshot

لماذا غَزت صفحات التفاهة واستغباء الناس عالم الفيسبوك؟

تم النشر: تم التحديث:

انتشر الفيسبوك انتشار النار في الهشيم، وأصبح لهذا الموقع حصة من أوقات معظمنا بشكل شبه يومي، ولا شك في أن لهذا العالم الافتراضي حسناته؛ فمنها أننا تعرفنا على أصدقاء جدد من خلاله يشاركوننا الأفكار والقيم التي نعتنقها، حتى وإن كانوا في بلدان بعيدة عنا ما كنا بالغيها إلا بشق الأنفس.

ومن حسناته، انتشار الصفحات المفيدة التي تنشر الخير والوعي في أواسط الناس، ومنها أيضاً أن هذا العالم الأزرق الواسع أصبح متنفَّساً لنا، نعبّر به عن آرائنا، فالرأي والكلمة لم يعودا حكراً على السلطة التي توجههما كيفما أرادت وتأخذ منهما ما شاءت، وقد يطول الحديث عن حسنات الفيسبوك الأخرى.

لكن لهذا العالم الأزرق سلبياتٍ ومشاكل أيضاً، ولن أتكلم هنا عن الإدمان الذي سبَّبه هذا الموقع للبعض، فأصبحوا يمضون معظم أوقاتهم فيه، ولن أتكلم عن انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة من خلاله؛ بل حديثي عن أنواع متنوعة من الصفحات التي انتشرت على الفيسبوك وبكثرة -والحديث هنا عن المحتوى العربي فقط- والتي يعتمد بعضها أساليب رخيصة جداً للانتشار وبعضها الآخر له أهداف معينة سأوضحها من خلال التدوينة.

ولكن الرابط بين هذه الأنواع من الصفحات التي سأذكرها، أنها تساهم في هبوط كبير لمستوى المتابع لها، وتعتمد على استغفاله وترتبط كثيراً بمفهوم المفكر علي شريعتي حول "الاستحمار"، ولكنه إلكترونيٌ بالطبع في هذه الحالة.

حيث تنصب دينامية هذا المفهوم لدى شريعتي في اتجاهين:

أولهما: التجهيل بتحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة عن القضايا المصيرية.
الثاني: سياسة الإلهاء بشغل الناس بالقضايا الجزئية عن القضايا الكلية.

ومن هنا، فالتأثير من قِبل هذه الصفحات كبير وخطير في آن واحد على عقل المتلقي، وخاصة لمن ليس لديه خلفية لربط المعلومات والأحداث وتحليلها لاستنتاج الصحيح أو الأقرب للصحة والمنطق.

سأضرب مثالاً بسيطاً على هذا الأمر: فلو افترضنا أن خبراً هاماً انتشر على صفحات الفيسبوك بشكل كبير وتناقله الناس وتشاركوه بينهم، وبعد عدة ساعات تبين أن هذا الخبر غير صحيح ومفبركٌ تماماً، فإن ظهور كذب هذا الخبر يُنهي تأثيره على المتلقي بشكل كبير، ولكنه يستحيل أن ينهي تأثير ما يمكن تسميته الصدمة الأولى للخبر في دماغ المتلقي، فالخبر أثر عليه بشكل أو بآخر.

سأنتقل الآن للحديث عن بعض هذه الصفحات والتي تعمل إما على الهبوط الفكري والعقلي بمستوى المتلقي والمتابع لها وتجهيله وإما تعمل على نشر أجندات خاصة قد تكون نتيجة التأثر بطرائق للتفكير بعيدة عن بيئتنا ومصادِمة لها، وإما نتيجة دعم مباشر من جهات معينة تريد نشر أهدافها ومحاولة فصل بلداننا وشبابنا عن هويتهم الأصيلة.

وسأتعرض هنا لـ4 أنواع فقط اخترتها، وإلا فالأنواع كثيرة:

النوع الأول: صفحات اللعب على وتر العاطفة الدينية
يقوم أصحاب هذه الصفحات، واعتماداً على سذاجة البعض وعاطفتهم الدينية، بتصميم صور عبر برنامج الفوتوشوب والهدف منها الخداع، فالعديد منا في أثناء تصفحه الفيسبوك ربما صادف صوراً لحبّة الطماطم فتحها صاحبها وإذا بلفظ الجلالة داخلها! أو عن جذوع الأشجار التي شكّلت بعضها مع بعض عبارة "لا إله إلا الله"!
ولا بد أيضاً أن بعضنا قابل في أثناء تصفحه عبارات من قبيل: "إذا لم تضغط لايك فاعلم أن الشيطان قد منعك"، أو " شارك هذا المنشور وانتظر 5 دقائق وسيتحقق ما تتمنى"!

والغريب أن كثيرين ينساقون وراء هذه العبارات، والدافع بالطبع لدى البعض عاطفته الدينية فتجدهم يسارعون لضغط اللايك؛ خشية أن يكون الشيطان قد منعهم أو الانتظار 5 دقائق تنتهي في أغلب الأحيان طبعاً دون تحقق مرادهم، لا بل وصل الأمر بالبعض في هذه الصفحات إلى أن يبدأ بكيل الشتائم أو الدعاء بالويل والثبور على من لم يضع إعجاباً أو يكتب تعليقاً على إحدى الصور أو المنشورات، فتجد كثيراً من البسطاء أيضاً يسارعون لضغط زر الإعجاب مع كتابة تعليق؛ خوفاً من أن تنوبه هذه الشتيمة أو أن يتحقق دعاء صاحب هذا المنشور!

النوع الثاني: صفحات الإسفاف
وهي من قبيل صفحات ما يسمى "+18 " -وكأن للأخلاق عمراً معيناً!- فهذه الصفحات وظيفتها نشر المزاح الرخيص أو الصور الفاضحة أو إحضار أخبار من هنا وهناك وعرضها مع وضع تعليق سخيف، والمشكلة مع هذه الصفحات هو الهبوط الشديد في مستوى المحتوى الذي تنشره.

نعم، هذه المشكلة عامة وهي منتشرة حتى في الشعوب الغربية، ولكن لسنا مضطرين كعرب إلى أن نسعى لتقليد الغرب في كل شيء، فكيف إذا كان بعضنا لا يقلدهم إلا في إسفافهم وابتذالهم؟

النوع الثالث: صفحات تدَّعي الحكمة
وهذا النوع من الصفحات يدعي نشر المعرفة والحكمة بين الناس، وقد يبدو الهدف نبيلاً من وراء هذه الصفحات، ولكن الأمر يتحول إلى مشكلة عندما يصبح عدم التثبت ونقل أي أقوال وإلصاقها بأشخاص معينين دون إرجاع لمصدر موثوق أو كتاب معين، فتجد مثلاً قولاً لكونفوشيوس ملصقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتجد عبارة أُلصقت بأينشتاين أو برتراند راسل دون أن يسبق لأحد منهما أن ينطق بمثلها أو بشبيهها.

ومن عادة هذه الصفحات أيضاً، تكرار المحتوى وتناقله دون أي محاولة لصناعة محتوى جديد أو تقديمه بطريقة جيدة تجذب المتابع المثقف. وللدلالة على هذا الأمر، فإنه في عشرات الصفحات المتعلقة بالأقوال والحكم، قرأ أغلبنا ربما عن النصائح العشر اللاتي قدمهن بيل غيتس والتي لا ندرسها في المدرسة.

النوع الرابع: صفحات نشر الإلحاد والداروينية باسم العلم
هذا النوع من الصفحات هدفه الرئيسي دس السم في العسل، فالظاهر هو نشر العلم والمعرفة، ولكن الهدف الخفي هو الترويج للإلحاد والداروينية، ومن عادة هذه الصفحات القيام بحذف التعليقات الرصينة التي ترد عليهم بشكل علمي وتطرح أدلة مخالفة لمنشوراتهم، ويتركون مقابلها التعليقات المسيئة المليئة بالسباب والشتائم؛ لكي يُظهروا مخالفيهم بمظهر الجهلة الذين لا يملكون سوى الشتم بينما هم فقط يعتمدون على الأدلة والبراهين العلمية.

هذه 4 أنواع من الصفحات، وكل منها يحتاج الى موضوع منفصل، ولكنني حاولت الإيجاز قدر الإمكان، وإلا فالصفحات المماثلة لها في الهدف والمضمون كثيرة وتملأ الفيسبوك، وتدور حول مفهوم علي شريعتي سابق الذكر حول "الاستحمار"، وتحتاج إلى إعادة نظر للمتلقي والمتابع لها؛ لكيلا ينجر وراء هدفها ولكيلا يضيع في تفاصيل وأمور لا تهمه أو تهبط به إلى مستوى أقل من آدميته وإنسانيته بشكل كبير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.