المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان شيط  Headshot

هل يتكرر ما حدث لمورسكيي الأندلس مع مسلمي أوروبا؟

تم النشر: تم التحديث:

في أواخر عام 1491 في إسبانيا بدأت قصة المورسكيين مع سقوط آخر ممالك المسلمين في الأندلس، وهي غرناطة، وتوقيع آخر ملوك بني الأحمر أبي عبد الله الصغير لاتفاقية مع كل من فرناندو ملك أراغون وإيزابيلا ملكة قشتالة، نصت هذه الاتفاقية على ما يقارب 55 بنداً كان من أهمها:

1- أن يقوم أبو عبد الله الصغير، ملك غرناطة، بتسليم المدينة لملكَي قشتالة وأراغون.

2- أن يأمن المسلمون على أنفسهم وأملاكهم وأعراضهم في المدينة.

3- أن يحتكم المسلمون إلى قوانينهم وشريعتهم في القضاء.

4- أن يقيم المسلمون شعائرهم وعباداتهم بحرية، وأن يأمنوا على مساجدهم وأماكن عباداتهم.

وتعهد كل من ملكي قشتالة وأراغون على حفظ الاتفاقية والعمل بها، ولكن لم يكد يمر على هذا الأمر إلا بضع سنين حتى بدأت مأساة المسلمين في الأندلس الذين سموا فيما بعد بالمورسكيين، فبدأت عمليات مصادرة الأراضي، وفصل السكان المسلمين عن بعضهم، والتضييق على الحريات والعبادات؛ لتتحول لاحقاً لعمليات ممنهجة لإجبار المسلمين، إما على تغيير دينهم والتنصر، وحتى في هذه الحالة يكونون مواطنين نصرانيين من الدرجة الثانية، وإما مغادرة البلاد، لا بل بعدها بدأت محاكم التفتيش سيئة السمعة بالتعذيب والقتل والحرق؛ لينتهي كل هذا بالتهجير القسري للمورسكيين من إسبانيا بشكل رسمي في عهد الملك فيليب الثالث في عام 1609، بعد أن أصدر مرسوماً بهذا، مدعياً حينها أنه ينفذ مشيئة الرب، بعد أن فشلت محاولات تنصيرهم، ولينتهي هذا الأمر في عام 1614 مع طرد وترحيل أكثر من 300 ألف مورسكي من إسبانيا.

ومع أن وضع المورسكيين يختلف في عدة أوجه عن وضع المسلمين الموجودين في أوروبا الآن من ناحية سبب القدوم والظرف التاريخي، إلا أنهما قد يتفقان في السبب الديني الذي أدى إلى الترحيل القسري من هذه البلاد. ليس هذا تشاؤماً أو رجماً بالغيب بالطبع، وإنما لوجود عدد من المعطيات الحالية التي قد تؤدي لتكرار ما حصل مع المورسكيين.

وبعد هذا الكلام أيضاً علينا ألا ننسى ما فعلته أميركا مع ذوي الأصول اليابانية الموجودين فيها إبان الحرب العالمية الثانية؛ حيث وُضعوا في معسكرات اعتقال كبيرة على الرغم من أنه ليس لهم ذنب بالحرب التي شنتها اليابان وقتها، ولكن أميركا اتهمتهم بالعمالة لليابان، وأن لهم دوراً بالحرب.

ومن أهم هذه المعطيات أمران رئيسيان:

أولاً: صعود اليمين المتطرف في أوروبا

في الفترة الأخيرة، وخصوصاً بعد أحداث بروكسل وباريس، أصبح عادةً للمترشحين للانتخابات في البلدان الأوروبية التحريض على المسلمين لكسب مزيدٍ من الأصوات في الانتخابات، وعَمد بعضهم إلى تحميل المهاجرين (الذين هم في الغالب مسلمون) أسباب البطالة والظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها بلدانهم، فنجد في فرنسا صعود نجم اليمين المتطرف والمتمثل بحزب الجبهة الديمقراطية وزعيمته مارين لوبان، وهذا ما قد يظهر في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2017، ونجد أيضاً في بريطانيا نفس الأمر مع حزب الاستقلال البريطاني، وخصوصاً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكذلك الأمر في النمسا والمجر والسويد وحتى في ألمانيا؛ حيث بدأت الأحزاب اليمينية المتطرفة في هذه البلدان بكسب مقاعد البرلمانات والتقدم في استطلاعات الرأي التي تجريها الصحف هناك والحضور بقوة في المشهد السياسي لهذه البلدان، ووفقاً لعدد من الإحصائيات في البلدان الأوروبية، فإن الخط البياني لليمين المتطرف سيشهد صعوداً أكبر في قادم الأيام بما ينذر بوقوع السبب الثاني الذي سأتحدث عنه وهو تآكل الحريات.

ثانياً: تآكل الحريات

إن السبب الأول الذي أوردته أدى لظهور هذا السبب وهو تآكل الحريات التدريجي والتضييق على المهاجرين، والمسلمين خاصة، وحدث هذا الأمر من وجهين: الأول في الدول التي بدأ اليمين المتطرف يتحكم فيها بالقرار فبدأت أحزابه بإصدار القوانين والتشريعات التي تؤدي إلى تضييق الحريات الموجودة في هذه البلاد، أما الوجه الثاني فإن عمليات الموازنة التي كان يتبعها اليسار في البلدان الأوروبية بما فيها من منح هامش من الحريات للمسلمين والمهاجرين بدأت في التغير، وأتى هذا رضوخاً لتنامي دور اليمين المتطرف في المجتمع ولعدم رغبة أحزاب اليسار في خسارة أصوات الناخبين لصالح اليمين واليمين المتطرف.

ونحن نشهد الآن كيف أعلنت فرنسا عن قانون الطوارئ بعد هجمات باريس بما فيه من تضييق للحريات، ولاحظنا أيضاً قضية البوركيني التي انتشرت أخيراً ومحاولة فرنسا لمنعه، ونشهد في باقي الدول دعوات لحظر النقاب (بعض الدول كانت قد حظرته فعلياً) ودعوات أخرى ضد الحجاب وضد المآذن، وغيرها الكثير مما ينذر بمستقبل تآكل الحريات في أوروبا، وتغيير الدساتير لضبط هذا الأمر.

هناك حديث لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبشر فيه بفتح رومية وهي روما كما عند ياقوت الحموي في معجم البلدان، وكما قال الشيخ الألباني، وكنت أقول لنفسي إن هذا الفتح سيحصل بانتشار الإسلام في هذه البلدان وزيادة عدد المتجهين للدخول في هذا الدين في الدول الأوروبية، أي أن يكون (غزواً ديموغرافياً) بانتشار الدعوة، وكنت قد قرأت حينها على صدر إحدى الصحف أن بروكسل 2050 عاصمة إسلامية، إلا أن ما يحصل الآن في أوروبا من تضييق متزايد على المسلمين وصعود لليمين المتطرف قد يؤدي إما لازدياد عدد الناس الذين يدخلون في الإسلام، فهذه الحملات في النهاية تدفع الكثيرين لدراسة هذا الدين والتعرف على سماحته، وهنا تنقلب هذه الحملات بأثر عكسي على مروجيها، فبدلاً من تنفير الناس من الإسلام يكونون هم دعاية جيدة لانتشاره، وأما الأمر الثاني فهو تمكُّن اليمين المتطرف من حكم البلدان الأوروبية وإصدارهم لقوانين تفضي لإجبار المسلمين على ترك هذه البلاد.

ذكرت نبذة مقتضبة عن حال المورسكيين في الأندلس في بداية الحديث وما آل إليه حالهم في النهاية، ورغم الصعوبة الكبيرة لتكرار هذا الأمر مع المسلمين الموجودين حالياً في أوروبا لتعدادهم السكاني الضخم في أوروبا ولاستقلالية قوانين كل بلد أوروبي عن الآخر، فإن هذا الأمر قد يكون مرشحاً للحدوث في المستقبل البعيد، وإن كان بنسب متباينة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.