المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان شيط  Headshot

هكذا تصنعون طواغيتكم.. في ذكرى وفاة جمال عبد الناصر

تم النشر: تم التحديث:

في 28 سبتمبر/أيلول عام 1970 توفي جمال عبد الناصر، ولعل الأكثر غرابة في مرور هذه الذكرى منذ بضعة أيام أنه لا يزال البعض يتغنون بهذه الشخصية ويضفون عليها هالة واسعة من القدسية، ورغم أن للرجل بعض الإيجابيات فإن إرثه الضخم في تأسيس الاستبداد ونشر ثقافة حكم العسكر في مصر وغيرها من البلدان العربية لا يزال حاضراً معنا إلى اليوم.

لن أتناول في هذا المقال تاريخ جمال عبد الناصر السياسي أو العسكري، فهو معروف للجميع، بل سأتحدث كيف يقوم الحاكم أو المستبد بصنع القدسية لنفسه وكيف تتبعه الجماهير بغالبيتها منطلقاً من مثال جمال عبد الناصر، وكيف أثر على الجماهير في مصر وباقي البلاد العربية.

يقول غوستاف لوبون، في كتابه سيكولوجيا الجماهير: "في الواقع أن أسياد ومؤسسي الأديان والإمبراطوريات ورسل كل العقائد ورجالات الدول العظام وعلى مستوى أقل زعماء الفئات البشرية الصغيرة كلهم كانوا علماء نفس، على غير وعي منهم، وكانوا يعرفون روح الجماهير بشكل فطري، وفي الغالب بشكل دقيق وموثوق جداً، وبما أنهم يعرفونها جيداً ويعرفون كيف يتعاملون معها فإنهم قد أصبحوا أسيادها".

فلم تأتِ سيطرة عبد الناصر على الجماهير عن عبث أو على حين غرة، بل تم العمل على هذا الأمر من عدة طرق، لعله من أبرزها:

أولاً: عملٌ ضخم يأسر عقول الجماهير في البداية

ليتمكن المستبد عند تسلمه للحكم من لفت نظر الشعب إليه، يقوم أول ما يقوم بعمل ضخم يتمكن من خلاله بالبدء بحفر اسمه في أذهان الجماهير، قد يتنوع هذا العمل من معركة يخوضها ضد الأعداء أو بعلاوات اقتصادية ورفع للرواتب لأقسام من الجماهير، فعند تسلم جمال عبد الناصر للحكم عام 1956 أعلن عن تأميم شركة قناة السويس، ومنذ ذلك الحين ترسخ في أذهان المصريين وباقي الشعوب العربية صورة القائد الذي يقف أمام الدول الاستعمارية ويتحداها، وخرجت الجماهير إلى الشوارع في حينها مرددةً اسم جمال عبد الناصر، ورافعةً لصوره، وكانت هذه هي الانطلاقة الحقيقية لترسيخ اسم عبد الناصر في أذهان الجماهير.

ثانياً: صناعة الأوهام وإطلاق الوعود

يتجه المستبد أو الطاغية لصناعة الأوهام لدى جماهير شعبه، فالشعوب بطبيعتها تتقبل الأوهام التي ترحيها في مقابل عدم تقبلها للحقائق التي قد تزعجها فيقوم المستبد حينها بإطلاق وعود صعبة التحقيق، لا بل قد تكون غير واقعية، ويعرف المستبد في قرارة نفسه أن هذه الوعود صعبة المنال، ولكنه من خلالها يخدر الجماهير وينال رضاها، فيقوم حينها بإطلاق هذه الوعود وصناعة الأوهام، وهذا ما دأب عبد الناصر على فعله، فأطلق وعود النهضة الاقتصادية لمصر، ووعوداً أخرى بإقامة وحدة بين الدول العربية، والعمل على تحرير فلسطين، ومع أنه يعلم صعوبة تحقيق هذه الوعود، وعلى الرغم من أنه لم يعمل لأجلها أيضاً فإنه أطلقها، ونال رضا الناس بها.

ثالثا: اللعب بعواطف الجماهير

فالجماهير بطبيعتها عاطفية المزاج، ومن يستطيع التأثير على عواطفها، فإنه يكسب رضاها وتتأثر به، وتجعله قدوة لها، ومن يعرف اللعب على أوتار عواطف الناس، فإنه يكسب أعداداً كبيرة منهم، ليقفوا في صفه.

"إنني على استعداد لتحمُّل المسؤولية كلها، ولقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه، لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر، إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحاً أمامها أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر"، هذه الكلمات قالها عبد الناصر بعد هزيمة 1967 واحتلال إسرائيل لشبه جزير سيناء، حيث أعلن عن استقالته وعودته لصفوف الجماهير، ولكن هذه الجماهير التي تأثرت بخطاباته خرجت في نفس اليوم إلى الشوارع بالآلاف متناسية الهزيمة المرة التي تلقتها مصر، مطالبة ببقاء جمال عبد الناصر في الحكم، وحينها تم تصوير الأمر على أنه صحيح أن مصر تلقت هزيمة كبيرة، ولكنها ربحت بقاء جمال عبد الناصر في الحكم!

أُعجبت الجماهير بجمال عبد الناصر، وسُحرت بخطاباته ووعوده، وسار من أتى بعده من المستبدين على خطاه وحاولوا تقليده، ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن عبد الناصر كان أول من أسس للاستبداد في عالمنا العربي، وأتحدث طبعاً عن الجمهوريات فقط, وهو أول من رسخ في أذهان الشعوب العربية حكم العسكر، وكان من أتى بعده للحكم في مصر كلهم من المؤسسة العسكرية، وحتى عندما انتُخب محمد مرسي كأول رئيس مدني سارعت المؤسسة العسكرية للانقلاب عليه.

وجاء عبد الفتاح السيسي محاولاً تقليد تجربة عبد الناصر، فكان أول ما قام به إنشاء تفريعة لقناة السويس، وإطلاق الوعود للمصريين بنهضة اقتصادية لم يتحقق شيء منها حتى الآن، وفي ليبيا جاء القذافي بانقلاب ورأى في نفسه عبد الناصر الجديد، وكذلك الأمر في باقي الجمهوريات العربية التي لم تسلم من حكم العسكر فيها الذين كانوا يطلقون وعودهم ويخدعون الجماهير العربية, والمشكلة ما زالت قائمة حتى الآن، فما زال قسم كبير من هذه الجماهير يسير على خطى الأجيال السابقة، فيصدقون المستبدين وينخدعون بهم.

ذات مرة وصل الرئيس البوسني علي عزت بيغوفيتش إلى صلاة الجمعة متأخراً ففتح له الناس الطريق إلى أن وصل إلى الصف الأول، فاستدار إلى المصلين، وقال لهم بغضب شديد: هكذا تصنعون طواغيتكم!

فمتى ستتوقف جماهيرنا عن صناعة الطواغيت أمواتاً كانوا أم أحياء؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.