المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان شيط  Headshot

لماذا أيد ويؤيد البعض نظرية التطور؟

تم النشر: تم التحديث:

اعتمد بعض علماء الغرب في مسيرتهم نحو إنكار وجود إله لهذا الكون وإثبات المادية المطلقة له على ثلاث نظريات أساسية أصبحت فيما بعد مقدسة لديهم:

1 - لِفَهْم التاريخ وتفسيره اعتمدوا على ما كتبه كارل ماركس وفريدريك إنجلز في المادية الجدلية.

2 - ولفهم الإنسان وطبيعته المختلفة عن باقي الكائنات اعتمدوا على ما كتبه سيغموند فرويد في التحليل النفسي، وخصوصاً تفسيره أن معظم ما يحرك الإنسان هو الجنس.

3 - وأخيراً لفهم نشأة الكائنات الحية الموجودة في هذا الكون اعتمدوا على ما كتبه تشارلز داروين في نظرية التطور.

وفي نهايات القرن التاسع عشر اعتقد الكثيرون أن العلم قد فسر معظم الأشياء على هذه الأرض، وأن النظريات التي خرجت أصبحت تكفي البشرية، لا بل إن الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه قال بموت الإله وبشر بولادة الإنسان (السوبرمان).

لست في هذا المقال بصدد نقض نظرية التطور، وإبداء عوارها وضعفها، بل سأتحدث فقط من وجهة نظر فكرية: لماذا تبنى بعض العلماء هذه النظرية؟ ولماذا خطا بعض الناس على خطاهم وأيدوها، ولن أتحدث فقط عن الوقت الحالي لماذا يستمر البعض في تبني هذه النظرية، بل سأعود في التاريخ منذ نشأة هذه النظرية، والأسباب التي أدت لتأييد البعض لها.

ومن أهم هذه الأسباب التي أظن أنها أدت لتأييد البعض لهذه النظرية وتبنيها:

أولاً: تثبيت الإلحاد واللاقدرية

فلطالما وجد الملحدون واللاقدريون ضالتهم في هذه النظرية التي تحاول أن تثبت أن الكائنات في هذا الكون لم تُخلق، وإنما أتت من خلية حية أولى بدائية مجهولة المصدر، ومن ثم مرت بمراحل تطورية على مدار ملايين السنين السابقة، حتى وصلت إلى ما عليه الآن من كميات وأصناف متنوعة من الكائنات الحية، ولعله من أساسيات نشأة الإلحاد فكرة وجود الشر في العالم، حتى إن مؤسس النظرية تشارلز داروين قد تحدث حول هذه الفكرة فقال: "إنني لا أستطيع أبداً إقناع عقلي بأن الله الكلي القدرة والكرم.

قد تعمد خلق الناموس لتقتات على أجسام اليساريع الحية أو خلق الهرة لتلاعب الفأر"، إن وجود الشر في العالم هو من الأسباب الفلسفية لنشأة الإلحاد، ولكن الشاهد هنا أن نظرية داروين فسرت وجود هذا الشر بفكرة البقاء للأصلح، والصراع من أجل البقاء، أي أن القوي دائماً يأكل الضعيف، والكون قائم على فكرة الصراعات الناشئة بين مكوناته، ومن ناحية أخرى فإنه لو تم إثبات بطلان هذه النظرية، فإن الإلحاد سيتآكل وسيسقط تدريجياً، فلهذا لا يزال البعض يدافع عن هذه النظرية، ويؤكد صحتها.

ثانياً: نسف القيم الأخلاقية

تتداخل بعض أسباب نشأة الإلحاد بأسباب تبني البعض لنظرية التطور، فبغض النظر عن الأديان وما شرعته من أخلاق، فهل يمكن أن توجد في "العالم الدارويني" أية قيمة أخلاقية؟ فالأخلاق قيم ميتافيزيقية وليست أموراً مادية، أما نظرية التطور فهي تلغي القيم الأخلاقية وتنسفها، فالبقاء للأصلح والأقدر في هذا الكون، والصراع دائم من أجل الغذاء والتكاثر والبقاء بحسب النظرية، يقول الأديب الآيرلندي الشهير جورج برنارد شو: "إذا كان بالإمكان التدليل على أن الكون قد أنتج بواسطة اصطفاء طبيعي كهذا (البقاء للأصلح)، فعندئذ لا يستطيع سوى الحمقى والأنذال احتمال العيش فيه".

ثالثاً: أسباب علمية تبناها البعض
لا أحد يستطيع إنكار أن داروين عالم كبير في العلوم البيولوجية، وقد عمل على نظريته لمدة كبيرة، وبعد طرح النظرية تبناها الكثير من العلماء من وجهة نظرهم العلمية، وليس كعقيدة وأيديولوجيا تؤدي إلى أمور أخرى كما في السببين الأول والثاني، ولا شك أن النظرية تم تطوريها ومحاولة سد الثغرات الكبيرة فيها مع مرور الوقت، وهي تُدرس الآن في معظم جامعات العالم، وقد يعود هذا للترويج الكبير لها، ولكن علينا أيضاً ألا ننسى أن الكثير من النظريات العلمية التي اعتبرت كحقائق علمية مسلّماً بها في الماضي تم إبطالها بعد مدة كنظرية الأثير المضيء وكوكب فولكان والفلوجيستون وغيرها.

رابعاً: تطبيق النظرية على المجتمع البشري (الداروينية والعلوم الاجتماعية)

يقول الدارويني الاجتماعي ويليام غراهم سمر: "فلتتأصل ولتكن شرهاً، أو فلتمت"، أسست نظرية التطور لفكرة الصراع الدائم، وجاءت تطبيقات هذا الأمر كارثية على البشرية في مختلف المجالات، فالنازية على سبيل المثال كانت تنادي بنقاء العرق وبالبقاء للأصلح، وتم على أساس هذا الأمر إبادة وقتل ملايين البشر من المعاقين والعجزة والعرقيات الأخرى، واعتقد النازيون أن البقاء وحق الحياة فقط لمن يستطيع الإنتاج، وفي هذا المجال أيضاً استعمل ستالين نفس الأمر لإثبات وجهة نظره، فطبق الداروينية على المجتمع، وقام بقتل عالم الوراثة الروسي نيكولاي فافيلوف؛ لأنه خالف وجهة نظره، هذا فضلاً عن قتله للملايين في سيبيريا وغيرها لنفس الأسباب التي اعتقدها النازيون.

وتبنى الكثيرون هذه النظرية ليحاولوا تطبيقها أيضاً في مجال الاقتصاد والسياسة وغيرها، ومنهم مؤسس الماركسية كارل ماركس؛ حيث يقول عن النظرية: "إن هذه النظرية هي تطبيق فلسفتنا في صراع الطبقات في الطبيعة"، ومن هنا نرى التأثير بالغ الخطورة لتطبيق هذه النظرية على المجتمعات البشرية، وما جرته من ويلات أخرى على البشر.

هذه أبرز الأسباب التي أعتقد أنها دفعت البعض لتبني هذه النظرية منذ نشأتها وحتى الآن، وقد لاحظنا أن هذه النظرية لم تعد بحثاً علمياً يمكن مناقشته فقد تحولت إلى أيديولوجيا ودين جديد يعتقده البعض، ويرفضون النقاش حوله، وأنه من المسلمات والقطعيات التي لا يمكن الشك بها، وهذا بطبيعة الحال يناقض العلم في جوهره، ويبدو أن هذا الأمر سيستمر لتظهر الأدلة اليقينية على تهافت هذه النظرية وبطلانها، وليصبح الحديث عنها بعد ذلك من أحاديث الماضي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.