المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان شيط  Headshot

تشريح تنظيم الدولة "داعش" سيسيولوجياً وسيكولوجياً "1 - 2"

تم النشر: تم التحديث:

ما الذي يدفع شاباً بعمر الزهور لتفجير نفسه في حفل زفاف أو في أناس مجتمعين في ساحة؟

ما الذي يدفع شاباً يسكن في أوروبا أو أميركا ويحمل شهادات من جامعاتها للانضمام لهذا التنظيم المتطرف؟

ما الذي يدفع إنساناً لذبح آخر بريء دون أن يهتز له جفن وبكل دموية وغلظة؟

ما الذي يدفع جماعة لتكفير عموم المسلمين ووصفهم بالمرتدين؟

وما الذي يدفع نفس الجماعة لتكفير جماعات إسلامية أخرى وتقاتل نفس العدو، ووصفها بالعميلة لأميركا والدول الغربية؟

كل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى تجول في مخيلتنا أثناء حدوث تفجير أو قتل للأبرياء هنا أو هناك في أصقاع الأرض.

طبعا أنا لا أبرر قتل أي إنسان بريء على وجه الأرض، فالإسلام عصم الدماء والأموال بحقها، قال تعالى: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً".

ولكنني أحاول أن أفهم وأوصف الدوافع الاجتماعية والنفسية التي أدت لنشأة هذا التنظيم المتطرف وللالتحاق مئات الشباب به، وما فعلوه بعدها من عمليات إجرامية لا يبررها أي إنسان على وجه الأرض، فضلاً عن حُرمتها في دين الإسلام.

نبذة تاريخية صغيرة عن التنظيم

لفهم التنظيم أكثر يجب أن نعرف نشأته وطريقة تشكّله، فلقد كانت بدايات التنظيم في العراق عندما بايع أبو مصعب الزرقاوي تنظيم القاعدة، ليصبح مسماه تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وبعد مقتل الزرقاوي تم إعلان التنظيم بمسمى جديد، هو دولة العراق الإسلامية في عام 2006، وحتى هذا الوقت كانت مهمة التنظيم الرئيسية هي مقاومة قوات الاحتلال الأميركي في العراق، ولكن بعدها انحرف التنظيم انحرافاً خطيراً، فاتجه نحو قتال من سمَّاهم الصحوات، ونحو صب الزيت على النار، وإثارة النعرات الطائفية بتفجيراته العديدة في المراقد والأماكن الشيعية، وإلى مطارة السحرة وتدمير الأضرحة والقبور.

استمر التنظيم على هذا المنوال حتى عام 2013 ليعلن التنظيم مسماه الجديد، وهو الدولة الإسلامية في العراق والشام، ضاماً تحت جناحه جبهة النصرة في سوريا، التي رفضت بدورها الانضمام تحت لواء التنظيم، استولى التنظيم بعد عام 2013 على مساحات واسعة من الأراضي في كل من سوريا والعراق، وأعلن ما سماه الخلافة الإسلامية في عام 2014 بقيادة أبو بكر البغدادي.
الدوافع السيكولوجية
رغم أن هذه الدوافع قد تتلاقى مع الدوافع الاجتماعية في بعض النواحي، فإنني سأحاول التفريق بينهما في البداية لتشكيل الدافع الرئيسي للالتحاق الشباب بهذا التنظيم، ورغم اعتقادي أن الدوافع الاجتماعية هي الأكبر والأخطر.

أولاً: الحالة النفسية للفرد قبل الالتحاق بالتنظيم

تتأثر الحالة النفسية للفرد قبل التحاقه بالتنظيم بالحالة الاجتماعية حوله، التي سأتحدث عنها لاحقاً، فيعيش الفرد صراعاً داخلياً شديداً بين رغبته في تغيير الواقع الذي يعيشه وبين عدم قدرته على فعل ما يرغب، فيتجه نحو تنظيم الدولة أو ما شابهه؛ لاعتقاده بقدرة التنظيم على تغيير الواقع الموجود، وتتضافر جميع الأسباب النفسية في الفرد لتشكل دافعاً يدعوه للالتحاق بمثل هذه التنظيمات، فمن رغبة بالثأر والانتقام في حالات معينة إلى رغبة في إثبات الذات في حالات أخرى.

ثانياً: عملية غسل الأدمغة الممنهجة بعد الانضمام
قد أُشبه ما يحدث في عملية تجنيد الشباب للالتحاق بتنظيم الدولة بما حدث في قلعة "آلموت" وجماعة حسن صباح التي سُميت بالحشاشين في إيران، والتي ظهرت بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر ميلادي؛ حيث يتم إعطاء الشاب جرعة من المخدرات، ثم يتم إدخاله إلى حديقة فائقة الجمال، وتُحضر بعض النساء حوله، ويتم إيهامه بأنه في الجنة، وبعد هذا يُؤخذ إلى إمام القلعة الذي يسمى شيخ الجبل، والذي يأمره باغتيال أحد ما أو إلقاء نفسه من القلعة والانتحار، فينفذ الشاب ذلك دون أي اعتراض، بحجة أن هذا الإمام هو من سيُعيده إلى الجنة التي دخلهاّ قبل ذلك.

ورغم التشكيك الكبير بهذه الرواية عن الحشاشين، التي وردت في كتابات الرحالة الشهير ماركو بولو، فإننا لو أخذناها جدلاً، فإن نفس الأمر يحدث داخل التنظيم مع اختلاف نوع المخدرات المعطاة هنا، ففي التنظيم المخدرات التي تُعطى هي مخدرات دينية مبنية على تفسير خاطئ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والتي يتم من خلالها حشو عقل الشاب بعد التحاقه بالتنظيم حتى يصبح كالروبوت، يتحرك بأوامر رئيسه الأعلى، وينفذ ما يطلب منه مباشرةً، ودون أي تفكير بحجة أن هذا تنفيذ لشرع الله.

وهنا لا بد من التفريق بين الحالة السابقة التي أوردتها مع تنظيم الدولة "داعش"، وبين حالات يتم فيها تحريض الشباب مثلاً على تحرير أوطانهم ونصرة المستضعفين، ولكن على أسس عقدية صحيحة مأخوذة من الكتاب والسنة، كحالة المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، وما شابهها، فهنا أبعد ما تكون هذه الحالة عن غسل الأدمغة التي تجري داخل تنظيم الدولة.

ثالثاً: تنمية العدوانية في الفرد وجعل القتل عادة لديه

يوجد في داخل كل إنسان سلوك عدواني، كما يقول أطباء النفس، قد يزيد أو ينقص بحسب الحالات المختلفة، ولكن في مثل هذا التنظيم تتم تغذية هذا السلوك بشدة، وإخراج كل ما تنطوي عليه النفس البشرية من عدوانية، فمع تكرار رؤية مشاهد الذبح والقتل وقطع الرؤوس تصبح هذه الأمور طبيعية ويتم جعلها عادة لدى الإنسان، وحين يتم دفعه لتقليدها ينفذها دون أن يعبأ بأي شيء ودون أدنى شعور بالذنب.

إلى هنا أكون قد انتهيت من شرح الأسباب النفسية -السيكولوجية- الدافعة لانضمام الشباب للتنظيم؛ لأتحدث في المقال القادم -إن شاء الله- عن الأسباب الاجتماعية التي تعد حجر الأساس لنشأة التنظيم وانتشار أفكاره.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.