المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان الضاهر  Headshot

في حيِّنا الشعبي

تم النشر: تم التحديث:

ولدت في حي شعبي، تتلاصق فيه البيوت والجدران، كما يتلاصق المعتقلون في فروع الأمن. نصف أبناء الحي ولدوا على يد "الداية أم خالد" والنصف الآخر لم يحالفه الحظ، فكان مصيره أن يرى النور في مستشفى الزهراوي الحكومي، بقلب العاصمة دمشق، حيث كانت رائحة الاشتراكية العفنة والفساد قد تسللت إلى كل دوائر الدولة.

في ذلك الحي الشعبي الكل يعرف الكل، وحدود الجار لا تُحدُّ بسابع دار، بل تصل إلى سبعين منزلاً في الشمال، ومثلها في الجنوب، وكذلك في الشرق والغرب.
في حينا الشعبي حتى تحيا، يجب أن تكون ولدًا شقيًّا، فلا مكان للجبناء فيه،،، الشغب، عدم كتابة الواجبات، الهروب من المدرسة، ملاحقة القطط، الإعدامات الميدانية للنمل، تكسير "اللمبات"، السرقة من بسطة أبو عبدو، مُخبر الحي، وغيرها كثير كانت من معايير كيف تصبح رجلاً في خمسة أيام. فعلت كل ذلك، وحين عدت إلى البيت، وأصرت أمي أن أستحم على يديها، أدركت أني مازلت طفلاً صغيرًا ولم أكبر. صديقي وسام كان يفاخر أنه يستحم بمفرده، زرته في بيته ذات مرة، عندما كنا عائدين من غزوة على بساتين أشجار الجوز الملاصقة لحينا، فاستقبلته أمه بكف على خده الأيسر، وألحقتها بأخرى على الأيمن، وبرفسة إلى داخل الحمام، وبدأت تغسله بالصابون العسكري. في اليوم التالي، أصبح وسام كالصوص المفعوس بين "الشلة"، ولم يعد له فضل علينا بعد أن أفشيت بما رأيت للجميع.

في حينا الشعبي، لم نكن نعرف المناديل الورقية، كانت بمثابة ارستقراطية لا تتناسب مع البروليتاريا التي كنا ننتمي إليها. أكمام "صداري" المدرسة ذات اللون القبيح وإحدى بركات حزب البعث علينا، كانت الطريقة الأسهل والأسرع لمسح السوائل المتدفقة من داخل أنوفنا.

في حينا الشعبي كانت النسوة يستنفرن في شهر أيلول لصناعة المكدوس، طعام الفقراء في الشتاء، لكنه كان يختلف عن مكدوس الأغنياء. مكدوس حينا الشعبي لم يكن فيه إلا القليل القليل من الجوز واللوز، والكثير الكثير من "الفليفلة الحمراء". كانت بقع الزيت لا تغادر ملابسنا، فلم نكن -بحمد السلطة الحاكمة- نعرف الأنواع الفاخرة من الأجبان والألبان، إلا ما كان يأتي مهرّبًا من لبنان.

بين أبناء حينا الشعبي، كان من المعيب أن تكون مجتهدًا في دراستك، وإلا ستصبح منبوذًا من قِبل أقرانك، ويُنظر إليك نظرة "الولد النعنوع" ابن أمك، فلا تُصاحَب ولا تُجالَس، ولا يكون لك مكان في المقاعد الخلفية في الصف الدراسي. حاولت جهدي ألا أكون مجتهداً، لكن القدر ساقني إلى غير ذلك. بدأ رفاق الدرب يتسربون من المدرسة الواحد تلو الآخر، وبقيت وحيدًا أحمل الحقيبة المدرسية على ظهري، وعبئًا كبيرًا على كاهلي، خجلاً من أصبح "مثقفًا"، وطائرًا يغرد وحيدًا خارج السرب. كبرت وكبر رفاق الدرب، وانفضوا جميعًا من حولي، وأصبح لي رفاق جدد من خارج الحي، لهم شعر طويل ومنكوش، ومن حرمه الله من نعمة الشعر، استعاض عنها بلحية منفوشة وهي باتت من ضرورات المثقف العضوي، يعرفون ماركس وإنجلز وسارتر وألبرت كامو، ويقرأون لصامويل بيكيت وإليوت وغوته، ويستمعون لبيتهوفن وباخ، ويتناقشون في العلاقة بين الوجودية والعبثية، ويكتبون شعرًا ونثرًا لا يفهمه أحد، ويتحدثون بحديث لا يفهمه أحد.

في حينا الشعبي، صار رفاق الدرب القدامى ينادونني "بأستاز" بعد أن حصلت على شهادتي الجامعية، وحين وضعت النظارات على عيني، اعتقدوا أني أصبحت دكتورًا، فخلعتها منذ ذلك الحين، ولم أضعها مرة أخرى.

في حينا الشعبي كانت أبواب المنازل تفتح على مصراعيها في الأفراح والأتراح، فباب الدار لا يوصد بوجه الجار، هكذا علمنا حينا الشعبي. أنا الآن ومنذ أكثر من أربع سنوات أسكن في حي أرستقراطي، وكل صباح أنظر في وجه جارتنا التركية، وهي تمر من أمامي، علها تلقي عليّ تحية الصباح، وأساعدها في حمل الأكياس، لكن سكان هذا الحي منشغلون عنّا بصحبة الكلاب، فالكلاب هنا يا سيدي ليست ككلاب حينا، الكلاب هنا لطيفة وأليفة، ولا تؤذي أحدًا، وتتمتع بجميع حقوقها القانونية وحريتها الشخصية، وهي على ما يبدو على دين بلدانها. كلاب حينا الشعبي، كان حالها كحال قططها، مسحوقة ومضطهدة، لكن ليس على أيدي كلاب أجهزة المخابرات، بل على أيدي أطفال الحي نفسه.

في حيّنا الشعبي قامت ثورة كباقي الأحياء الشعبية، أزقتها الضيقة كانت ملاذًا لكل من أراد أن يصرخ بالحرية، الناس فيها لم يكونوا يدركوا مفاهيم التعددية، ودولة القانون، والمدنية والديمقراطية، لكنهم كانوا يهتفون بحرقة وبصدق في المظاهرات التي كانت تخرج من المسجد رغم أنف أحمد سعيد (أدونيس) الذي لم يكن موجودًا على الإطلاق في قاموس أبناء الحي.

في حيّنا الشعبي كانت الثورة ضرورة حتمية، رائحة الفقر كانت تخرج من نوافذ البيوت، وترتسم على وجوه الآباء والأمهات، لا سيما في شهر أيلول، موسم هجرة الأطفال إلى المدارس، وهجرة أمهاتهم إلى الأسواق استعدادًا لمونة الشتاء.

في حيّنا الشعبي الذي هجره ساكنوه بفعل القصف، كل شيء كان جميلًا وحميميًّا ودافئًا، وكل شيء كان حزينًا وكئيبًا ويدعو للبكاء والموت من وجع الحياة. في حيّنا الشعبي ثمة ألف ألف حكاية لم ترو بعد وربما لن تروى أبدًا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع