المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان برانبو  Headshot

كيف تتفاوض صامتاً وتحقق أهدافك؟

تم النشر: تم التحديث:

اعتدنا جميعاً على النظر إلى عملية التفاوض على أنها تتطلب الكثير من الكلام والجدال، وربما أيضاً رفع الصوت والصراخ. كيف لا والتفاوض يوجب علينا إيصال مطالبنا إلى الطرف الآخر، طرح الأدلة المؤيدة لوجهة نظرناً، وتفنيد الحجج المقدمة من الطرف الآخر.

سأطرح عليكم في الدقائق القليلة القادمة التي ستتطلبها منكم قراءة هذه التدوينة تقنيات ست، ستزيد من فعاليتكم التفاوضية وقوتكم على الإقناع وتحقيق أهدافكم بشكل كبير في حال إتقانكم لها، ودون أن يتطلب ذلك منكم التفوه بأي كلمة. نعم لن تحتاجوا للكلام ولا لرفع صوتكم أبداً. ما تحتاجون إليه فعلاً هو الصمت وبعضاً من لغة الجسد. إليكم هذه التقنيات الست:

الإجابة المدروسة: بعد أن يتقدم إليك الطرف الآخر بعرضه، اصمت، نعم اصمت تماماً. لا تظهر أي رد فعل، لا إيجابي ولا سلبي، لا تجب بنعم ولا بلا. أمسك بورقة وقلم (أو بجهازك اللوحي)، وتظاهر بأنك تقوم ببعض العمليات الحسابية. بعد برهة من الوقت أجب الطرف الآخر برفضك لعرضه. سيكون رفضك حينها أكثر إقناعاً، ولن يكون بإمكان الطرف الآخر مجادلتك كثيراً، فأنت قمت بحساباتك وقدرت موقفك وبعدها رفضت عرضه، مما يعني أن رفضك مبني على أسس عقلانية ومنطقية، وأنك لم تتعنت في موقفك، ولم ترفض لمجرد الرفض.

لا تقبل العرض الأول أبداً: جميعنا يبدأ التفاوض بطلب أكثر مما يرغب به أو مما هو مستعد لتقديمه فعلاً. ولم لا، فنحن واثقون من أن الطرف الآخر سيفاوضنا على موقفنا وسيطلب منا تقديم بعض التنازلات، وإن لم يفعل ذلك فهذا يوم حظنا، فقد حظينا بأكثر مما كنا نرغب به. بناءً على ما سبق، ولو كان العرض المقدم إليك من الطرف الآخر محققاً لأهدافك وطموحاتك، فلا تقبل به، فالطرف الآخر مستعد لتقديم عرض أفضل في أغلب الأحيان. وفي الأحيان الأخرى، ولو لم يكن الطرف الآخر مستعداً لتقديم أي تنازل عن عرضه، مجرد إظهار انزعاجك من هذا العرض وعدم استحسانك له، ومن ثم قبولك به (نظراً لكونه في الحقيقة مرضياً لك منذ البداية) سيجعل الطرف الآخر يخرج من التفاوض وهو يشعر بأنه قد حقق انتصاراً، رغم أنه قد أعطاك ما ترغب به تماماً من دون علمه بذلك. علماً أنك لو قبلت عرضه منذ البداية، فإن الاتفاق سيتم، ولكن الطرف الآخر سيشعر حينها بشيئ من الحسرة في أنه لم يطلب أكثر مما كان قد طلبه منك، فأنت قبلت بسرعة كبيرة، ربما لأن مهاراتك التفاوضية ضعيفة كما سيظن، مما يعني أنه خسر شيئاً كان يمكنه الحصول عليه لو رفع سقف مطالبه قليلاً. إن خروج الطرف الآخر من التفاوض حزيناً هو آخر ما ترغب به، فالوصول لاتفاق أمر، وتنفيذ هذا الاتفاق أمر آخر، وغالباً ما يساعد في التنفيذ رضا الطرفين عن الاتفاق وسعادتهما به.

أظهر الدهشة: بعد أن يتقدم الطرف الآخر بعرضه إليك، ارفع حواجبك، أظهر دهشتك بما ينبئ عن استغرابك وتعجبك بعدم منطقية العرض المقدم إليك، وأن العرض خارج حدود المعقول لدرجة تعفيك ليس فقط من قبوله، بل حتى من مجرد مناقشته أو الرد عليه. سينتج عن تصرفك المذكور هبوط سقف طلبات وتوقعات الطرف الآخر، وسيبدأ بالشك بنفسه وبموقفه، وسيكون أكثر استعداداً لقبول طلباتك وما ترمي إلى تحقيقه من التفاوض.

تمسك بموقفك: بعد أن تقدم عرضك للطرف الآخر، سيحاول الطرف الآخر جهده لجعلك تقدم تنازلات عن عرضك تزيد من مكاسبه التي سيحققها. تمسك بموقفك، لا تستجب لطلباته ولا لمحاولاته، ولو كان عرضك أعلى مما ترغب به تاركاً لنفسك المجال بتقديم بعض التنازلات. قاوم لأطول فترة ممكنة وستزيد من قوة موقفك. إن تمسكك بموقفك يوحي للطرف الآخر بأن موقفك مدروس بعناية وأنك فعلاً لا تستطيع إجابته لما يرغب به ويطلبه، فإذا كنت تبيع شيئاً مثلاً فإن تمسكك بموقفك يعني بأن تكاليفك ربما تكون عالية بما لا يسمح لك بتقديم سعر أقل، مما يجعله مهيئاً نفسياً لإبرام اتفاق مطابقٍ لعرضك. وهنا وبعد الرفض الطويل، وبعد أن يتعب الطرف الآخر ويمل، قدم له تنازلاً صغيراً فقط، سيشعر حينها بأنه قد حقق انتصاراً كبيراً عليك وأنه قد جلب لنفسه نصراً كان قريباً من المستحيل، وأن ذلك كله عائد لكونه مفاوض بارع متمرس!

الزم الصمت: عند التواصل مع الآخرين، لا نشعر بالارتياح عادةً عندما يسود جوٌ من الصمت المطبق، وغالباً ما نجد أنفسنا نتجه بشكل غير شعوري لملء هذا الصمت بكلامٍ قد يترتب عليه آثار لم نحسب لها حساباً. لذلك، أنصحك وفريقك في التفاوض عندما تتفاوضون كمجموعات، بالصمت التام عندما يتكلم الطرف الآخر بعرض غير مناسب لكم. سيشعر الطرف الآخر بعدم الارتياح نتيجةً لهذا الصمت، وسيكسر هذا الصمت ببعض العبارات والكلمات. قد تكون هذه الكلمات تنازلاً من طرفه أو قد تشكل معلومات يمكنك الاستفادة منها في تقوية موقفك التفاوضي وفي جر الطرف الآخر للقبول بطلباتك.

تصرف متمنعاً: أظهر للطرف الآخر عدم رغبتك بالتفاوض وعدم تمسكك به (ولو كانت حقيقتك خلاف ذلك). تصرف وكأنك تجهز نفسك لمغادرة المكان دون الوصول لاتفاق. بمجرد شعور الطرف الآخر بذلك، فإن ذلك سيزيد من تمسكه بالعملية التفاوضية (مفترضين أن الهدف الذي يسعى إليه ذو قيمة بالنسبة له ويصعب عليه الحصول عليه من خلال بدائل أخرى)، وسيكون أكثر استعداداً حينها لتقديم تنازلات أكبر تحقق أهدافك، وذلك لكي يضمن استمرارك في التفاوض.

التفاوض مهارة من أكثر المهارات أهمية في حياتنا، ومن الواجب علينا جميعاً تعلمها وإتقانها. إن الوقت الذي نقضيه في زيادة مهاراتنا التفاوضية هو وقت سيعود علينا بعوائد كبيرة جداً في جميع مناحي الحياة. يظن بعضنا أن التفاوض مهارة يولد الإنسان معها، فهو إما أن يكون مفاوضاً ناجحاً أو لا. أؤكد لكم أن التفاوض علم له أسسه وقوانينه وتقنياته التي إن تعلمها الإنسان ومارسها وطبقهها تطبيقاً سليماً، فسيقوده ذلك لنجاح كبير على جميع الأصعدة، شخصياً ومهنياً.