المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عدنان الضاهر Headshot

موسم الهجرة إلى السماء

تم النشر: تم التحديث:

الحياة قصيرة، قصيرة جداً. ذكرتني رزنامة التقويم المعلقة على الجدار بدخولي عامي الخامس والثلاثين. كانت السنوات الأربع الماضية قاسية على السوريين، هرمنا فيها على صغر، وبدأت أحلامنا تتضاءل رويداً رويداً ونحن نرى حجم الدمار والخراب والتشرذم الذي أصاب وطننا.

لم يكن أكثر المتشائمين بالثورة يتوقع هذه النهاية المأساوية سوى السلطة الحاكمة في دمشق. نهاية ما زالت مفتوحة على احتمالات قد تكون أسوأ وأكثر قتامة في مصير السوريين. كم هو قاس ومؤلم وجع الوطن.

نحن الآن يا سادتي بلا وطن، ولا أحد يدرك معنى ذلك، لا أحد، سوى النازحين واللاجئين الذين يموتون كل يوم مئة مرة، والغرقى الذين أعلنوا بموتهم موت الإنسانية. فقدنا البوصلة جميعاً، وفقدنا الأمل بالعودة إلى هناك، وبتنا نبحث عن وطن بديل، خارج الجغرافيا التي تسمى الوطن العربي. فأبواب الإخوة مغلقة دوننا، وحدها أبواب السماء مفتّحة وهي تستقبل كل يوم العشرات منّا.

إنه موسم الهجرة إلى السماء وهي هجرة أبدية لا رجعة فيها. وقفت على شاطئ بحر إيجة قبل أيام، وحدقت نحو الأفق. بدا البحر لي مخيفاً وكئيباً، لكن أطفالنا يركبونه بلا رهبة وبملابسهم الجديدة، ليموتوا وهم سعداء أو ربما هكذا يتظاهرون حفاظاً على مشاعرنا التي تلبدت تجاه الموت. لا أعرف ماذا تهمس الأمهات في آذان صغارهن وهم يركبون في قوارب الموت للوصول إلى أرض "الحبشة"، وهذه الأرض يا سادتي في عُرف اليوم هي ألمانيا. فالرواية تقول إن فيها امرأة تُدعى أنجيلا لا يُظلم عندها أحد. فهبَّ القوم إلى هناك هرباً من سيف سيد قريش القابع هذه المرة في دمشق.

طريق الجلجلة ودرب الآلام لم يكونا عبر الصحراء هذه المرة، بل كانا فوق البحار التي خذلت المهاجرين وابتلعتهم قبل أن يصلوا إلى البلاد التي ليس فيها براميل متفجرة ولا قصف ولا تعذيب ولا ظلم ولا فقر ولا موت بالجملة. في يوم من الأيام، نحن أيضاً كان لنا وطن لم نبخل فيه على أحد.

التاريخ القريب والبعيد شاهد على ذلك، لكن لا أحد يقرأ التاريخ هذه الأيام، ومن يقرأه يتنكر له ويغلق بابه في وجوهنا. كان لدمشق سبعة أبواب دخل من تحت عتبتها أقوام وأقوام. اسألوا المهاجرين البوشناق الذين تعرضوا لمجازر على يد النمساويين والصرب عام 1699. اسألوا المصريين الفارين من جيش إبراهيم باشا عام 1839. اسألوا دروز ومسيحيي لبنان الهاربين من حرب عام 1860. استوضحوا من الشركس والشيشان والداغستانيين، واستفسروا من جيرانهم ألبان كوسوفا بعد احتلال صربيا لبلادهم عام 1912.

وإن كنتم لا تفقهون لغة بعض من أولئك القوم، فاسألوا إخوانكم العرب. اسألوا اللاجئين الفلسطينيين عن الشام، فسيحدثونكم بالكثير الكثير. ذكّروا الأشقاء الكويتيين حين دخلوا دمشق، أننا لم نقل لهم إن ثقافتنا تختلف عن ثقافتكم. لم نخبرهم أنهم متأزمون نفسياً. اسألوا الإخوة العراقيين كيف تحولت دمشق إلى بغداد بعد حرب عام 2003؟ انظروا في عيون اللبنانيين القادمين من قانا عام 1996 ومن الجنوب عام 2006. انظروا كيف تنكروا لنا وشاركوا في الجريمة البشعة؟

اتصلت بالقنصلية المغربية في إسطنبول، مدفوعاً بحبي لتلك البلاد، وأخبرت الموظفة أنني أريد قضاء إجازتي الصيفية في بلادكم. فجاء صوتها عبر الهاتف مرحباً ومفعماً بالحياة. سألتني عن جواز السفر الذي أحمله، فقلت لها أنا من سورية. تبدلت نبرة صوتها فجأة وكأنني ملك الموت. ثم طلبت مني قائمة تعجيزية من الأوراق الثبوتية للحصول على إذن الدخول. شكرتها بأدبٍ وأغلقت سماعة الهاتف.

فعلت الشيء نفسه مع القنصلية التونسية، فتونس يا إخوتي لها مكانتها الخاصة في نفوس السوريين. فأنا أعشقها دون أن أراها وأعشق شعبها الراقي قبل الثورة وبعدها. فقد تشاركنا معهم ومع بقية الأشقاء مقاعد الدراسة في جامعة دمشق. كنت شبه متيقن أنهم لن يخذلوني، وقلت في نفسي هم أبناء ثورة، والثوار لا يخذلون بعضهم في الأزمات، وهم أفضل من يفهم وجعنا، فكان الرد أكثر قساوة من سابقه. نحن أصبحنا على ما يبدو عالةً على التاريخ، وعالة على الجغرافيا، وعالة على الأقرباء قبل الغرباء، وهي نتيجة حتمية لمن لا يملك وطناً، ومن لا يملك وطناً يا سادة تصبح كرامته مهددة وممزقة ومبعثرة، ولأجل هذا يبحث السوري عن وطن بديل، ويهاجر في سبيل ذلك نحو الشمال، ومن لم يحالفه الحظ، يهاجر نحو السماء في رحلة أبدية تضع نهاية لهذه الحكاية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.