المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل اعياشي Headshot

عربي في بلد عربي

تم النشر: تم التحديث:

أن تعيشَ في بلدٍ عربي فأنتَ مُجبرٌ على أن تتجرّع كأسَ المرارة صباحَ مساء، تصاحبُ الضغط الدموي، تتعايشُ مع السكري، تجالسُ الأعصابَ وتَعقدُ معاهدةَ استسلامٍ مع أمراض العصر، أن تعيشَ في بلدٍ عربيٍّ يعني أنك عضوٌ في المركز العالمي للغيبة والنّميمة، وصحفيٌّ في وكالات أنباء المدينة، ومنخرطٌ في نادي مراقبة ما هبَّ ودبَّ في الحي، بمجرّد أن تخرجَ من باب بيتك، وبعد أن تستقبلكَ كاميرات المراقبة البشرية يتهافت عليك السائلون والمتسولون طالبين يد العون، وقد يلتصقُ بيدك أطفالٌ متشردون لا يفارقونها قبل أن تجود عليهم ببعض الدريهمات.

رائحة الأزبال كريهة، وفوضى عارمة تطغى على كل شيء، تصبُّ جامَّ غضبكَ على تاكسي يمرُّ من أمامكَ تلوّح له دون أن يتوقف، أو على سيارةٍ لا تخفّف من سُرعتها وأنتَ تقطعُ ممرَّ الراجلين، تجدُ نفسكَ تتصبّبُ عرقاً مُتشبّثاً بمقود سيارتك خوفاً من أن تصطَدمَ بمتهوّرٍ يخرجُ في وجهكَ فجأةً من هنا أو هناك، ثم لا تلبثُ أن تركنَها في أي مكان تقابله حتى تتخلّصَ من عذابِ السياقة وجحيمِ المُرور.

أن تعيش في بلد عربي فأنتَ مُجبرٌ على أن تخوضَ في صغرك معاركَ طاحنةٍ بمجرّد خُروجكَ من المدرسة، ولا تصلُ البيتَ إلا وأزرارُ وزرتكَ ذهبتْ كلُّها أدراجَ العِراك، وجهُكَ مخدوشٌ وكأن القططَ الجائعةَ استفردتْ به، وظهرك يئنُّ من ثقل محفظةٍ مليئةٍ بالجهل والفراغ.

أن تجلسَ في مقهى بلدٍ عربي فأنت وسط جحافلَ من البشر منهم من يلعبُ النّرد طول النهار ولا يستهلكُ سوى نصف كأسٍ من القهوة حتى يضيق به صاحب المحل ذرعاً، ومنهم من يُحلّل سياساتِ العالم، ومنهم من لا يعجبهُ شيءٌ وينتقدُ كل شيء، مجبرٌ على أن تخوضَ نقاشاتٍ ساخنة بعد كل نشرةِ أخبار، فتجدُ نفسكَ أمامَ عالمٍ مُصغّر وسط هالة من الدخان، الكلُّ يدلي بدَلوه، يُدافعُ عن أفكاره وعن توجهاته، عن رئيسه المفضل، زعيمه المفدى، هكذا بلا سببٍ وجيه، كل ذلك بُغيةَ استهلاك يومٍ طويل لا ينقضي!

أن تتجوّل في شارعِ بلدٍ عربي فأنتَ محطَّ أنظارِ الذاهب والعائد، الكلُّ يُدقّقُ فيكَ من أخمصِ قدمَيْك إلى جَبهة رأسك، وكأنّك تمرُّ على آلةِ سكانير بشرية، لا تكادُ تخرجُ منها حتى تجد نفسكَ داخلاً من جديد إلى آلةٍ أكثر دقّة وتفصيلاً.

أن تدرسَ في بلدٍ عربي فأنت تقضي سنواتٍ طويلة من عمركَ بين الثانوية والجامعةِ، تسهر الليالي في الدراسة والإعدادِ للامتحانات والبحوثِ والعروضِ حتى تكاد تجن، وحين تحصلُ أخيراً على الشهادة بعد طولِ عناء، تجد نفسكَ مجبراً بعدما أبيضّ شعر رأسك على أخذ "كورساتٍ" خاصة باهظة الثمن من أجل الاندماج في سوق العمل!

أن تتحزّبَ في بلدٍ عربي أو تدخلَ غمارَ السياسة فيه، فأنتَ مجبرٌ على أن تضعَ قِيَمكَ ومَبادِئَكَ وأخلاقَكَ جانباً، ومصالحكَ الشخصيةِ والعائليةِ صَوبَ عَيْنَيك، ومصالحَ وأولوياتِ المجتمع وراءَ ظهرك.

أن تمارسَ الرياضةَ في بلدٍ عربي فما عليك إلا أن تُقنع نفسك برياضة الفقراء، فتختار لنفسك طريقاً طويلة تعدو على رصيفها إن وُجدَ ما شاء اللهُ لك أن تَعدو وبأقل التكاليف، وأنتَ منهمكٌ في عَدوكَ والعرقُ يتصبّبُ منكَ ظاناً أنكَ في قمّةِ العطاءِ الرياضي، يطير خيالكَ بعيداً شارداً في ملاعب السباحة والفروسية وكرةِ المضرب، تلك الرياضات التي كنت تتمنى في طفولتك لو أُتيحت لك الفرصة لتمارس واحدة منها، لكن ظروف المعيشة الصعبة حالت دون ذلك، وسرعان ما تعود إلى واقعك حين تتعثّر في حفرةٍ كبيرة على الطريق فتهوي على الأرض، ربّما على رأسك، ثم بعد ذلك تُودّعُ الرياضة إلى الأبد.

أن تعيشَ في بلدٍ عربي فأنتَ مُجبرٌ على أن تتعايشَ مع هواجسِ المستقبل والخوفِ من الفقر والحاجة والبطالة، همُّكَ الوحيدُ وشُغلك الشاغلُ مُذْ مجيئكَ إلى الدنيا أن تجدَ عملاً يصونُ كرامتَكَ ويُوفّرُ لك لقمةَ العيش، أما إنسانيتكَ فهي مُلغاةٌ إلى أجل غير مسمى، ومن أجل ذلك، ما عليكَ إلا أن تعتادَ على ملْءِ محفظتكَ بنُسخٍ عديدةٍ من سيرتك الذاتية وتبدأ عملية التّجوال تحت أشعة الشمس الحارقة، من شركةٍ إلى أخرى، ومن معملٍ إلى آخر، ومن دكّانٍ إلى دكّان، ومن محلٍ إلى محل، والمفارقةُ الغريبةُ أن الجميع يشترطُ عليك التجربة المُسبقة، رغم أنّكَ راكمتَ تجاربَ طويلة في البحث دون أن تظفرَ بعمل، وأنت تستمعُ إلى الردّ المتوقّع تبتسمُ ابتسامة عريضة تعود بك إلى نقطةِ الصفر، ثم تنصرفُ إلى حال سبيلكَ فتمُرُّ على مقهى وقد جلسَ فيه شلّةٌ من سُيّاح أجانب شباباً وشيباً فرحين مُنبهرين بالمكان، منخرطين في نقاشات هادئة حول مُستقبلهم وأحلامهم ضاحكين مستبشرين، كلٌّ منهم يحملُ في يدهِ خريطة المدينة وكتاباً ضخماً يوشكُ على إتمام قراءته، تُحسُّ لحظتها بغُربةٍ مريرة، وتتأكدُ مرة أخرى بأن قدومَكَ إلى هذه الأرض كان مجرّد صُدفة.

أن تعيش في بلدٍ عربي يعني أنك في الحقيقة لا تعيشُ فيه، بالُكَ وتفكيرُكَ وحلمُكَ في بلدٍ آخر تماما، بلدٌ أسَرَكَ بنظامه وتنظيمه، بحقوق أفراده وطريقة عيشهم وكلامهم، بحبّهم لبعض، ومؤازرتهم لبعض، بحُسنِ توزيعهم واستنشاقهم للهواء النقي، بلدٌ تأثّرتَ به وأنتَ تسمعُ عن قيمة الإنسان فيه، عن صَوْن كرامته وعزّة نفسه، عن تثمينِ وُجودهِ فيه وانتمائهِ إليه، بلدٌ جذبكَ بمستوى تعليمه، وتعدّدِ مناصبِ الشغل فيه، وكفاية أُجوره وتنوّعِ آفاقه، لكن سرعان ما تستفيقُ من حُلمك الوردي عندما تنهالُ عليك هراوات شرطة مكافحة الشغب وأنتَ معتصم أمام البرلمان تطالبُ بالشغل وقد بلغتَ من الكبر عتيّاً.

أن تعيش في بلدٍ عربي فأنتَ بالفعل في كوكبٍ آخر، عاصمتُه "الانتظار"، وشعارُه "لن تفهمَ شيئاً"، أمامكَ سنواتٌ ضوئيةٌ لتلحقَ بركب الديمقراطية، وتخرُجَ من قوقعةِ البلدان النامية، وعصور لتصلَ إلى حقوقِ المجتمعات الأوروبية، وأزمان لتحسَّ بأنكَ مُجرّد إنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.