المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عادل اعياشي Headshot

أفول عصر الأدب الذهبي

تم النشر: تم التحديث:

لكل حضارة بدايةٌ ونهاية، بداية تقود نحو مراتب الشموخ والسؤدد، ونهاية تنزل بها إلى براثن الفتن والفساد، كم من حضارة قالوا إنها لن ترى الظلام أبداً، وإذا بها تفقد بريقها وتأفل كما تأفل الشمس في المساء، وكم من حضارة بلغت من القوة والعظمة مبالغ عليا، لكنها سقطت في النهاية سقوطاً مدوّياً بلغ غباره وأصداؤه كل أرجاء الأرض، هكذا خلق الله -عز وجل- مقادير الأمور؛ إذ جعل -سبحانه وتعالى- الأبدية من صفاته التي لا تليق بمن سواه، مهما بلغت حضارات اليوم من رقيٍّ وتقدم، فلا بد لها من يومٍ تذوق فيه مرارات السقوط وعذاب الانحطاط، والعزة لله.

تُقاس حضارة الأمم بما أنتجته عقول أبنائها، وبما ساهموا به في ميادين العلم والمعرفة، فكان الإنسانُ صانع حضارته وبانيها، وهو نفسه من يملك مفاتيح تحطمها وتقهقرها، وهو لبّها وموجدها، لذلك كان أول من يُوجه له المدح والثناء عندما تصدح شمس حضارته بين الأمم، وأول من يناله اللوم والعتاب عند أفولها.

لن أعرج هنا على تاريخ حضارات الأمم الغابرة؛ لأن الحديث يطول؛ بل سأسلّط الضوء على فترة مهمة أسمّيها الحضارة الأدبية الحديثة؛ لكوْن روادها في بداية القرن العشرين كانوا بالفعل في طور بنائها وتشييد أسسها، وكان همّهم الأول إثراء وصقل حضارة أدبية حقيقية تمتد عبر الأقطار العربية كلها، فتوحدوا فرادى وجماعات لتحقيق هذا المراد.

كان مهدها مصر العروبة، ومصر آنذاك منارة ومحجّ الأدباء والشعراء من كل مكان، فعرف الأدب في عصرهم رقياً جلياً وانبعاثاً مجيداً وكأنه فتح باباً على مصراعيه يطل على شرفة الأدب الأصيل في عهد ما قبل الإسلام وزمن الحضارتين الأموية والعباسية، فتذوقوا من طعمه، وساروا على نهجه، ونهلوا من سحره؛ بل وكتبوا دراسات عميقة في نقده وتوصيفه، اعتلوا بها مقاماً سامياً على كرسي الأدب لم يكونوا بالغيه إلا بقوة عزيمتهم، وإيمانهم بقدراتهم، ونيتهم الصادقة في العمل والعطاء، وإقبالهم الشغوف على البحث والمعرفة.

ولا يختلف اثنان في أنهم بذلك سطروا سطوراً من ذهب في صفحات تاريخنا، وبصموا على فترة فارقة ستبقى راسخة في سجل الحضارة العربية إلى الأبد، كيف لا ومن بين رواد هذه الصحوة الأدبية الفذة، نجد عباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، والمازني وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وطه حسين وغيرهم، جعلوا مصر ملتقى أدبهم وإبداعاتهم ومهداً لفكرهم المنير ونبوغهم المتوقد.

فمصر كان لها الفضل الكبير في النهوض بالثقافة الأدبية خلال القرنين الماضيين، كانت بمثابة الشمس الساطعة في سماء الفكر، وصل نور شعاعها المتوهج لكل الأقطار العربية رغم صعوبة التواصل ومحنته، فجذبت الأديب والشاعر والناقد والمفكر والطالب، وكل مهتم بالأدب ودروبه، ولم ير كل واحد من هؤلاء بدّاً من الهجرة والانتقال إلى مصر للعيش وسط نفحات الأدب رفيع الذوق، كان عصراً مبهراً إلى حد كبير، بلغ فيه الأدب مراتب متقدمة، وتنافس فيه الأدباء والشعراء فيما بينهم فكان تنافسهم نفعاً ومكسباً كبيراً للأدب بشكل عام، حتى وصل صداه إلى خارج الحدود.

أما اليوم، فقد غابت شمس الأدب في مصر، ومرض مرضاً شديداً استعصى معه العلاج؛ بل وانتقلت العدوى إلى أقربائها من الدول العربية فلا تكاد تجد فيها ما تقرأه من أدبٍ يستحق القراءة، ولا نقد بنّاء، ولا شعر صادق يخرج من القلب فتتلقفه القلوب، فما الذي تغير حتى فعل بالأدب ما فعل به اليوم؟! وهل من إحياء جديد ينثر الحياة في مجال طالما تباهى به العرب على مر العصور؟!

خلال الفترة التي اشتُهر فيها الأدب العربي فكان حديث كل لسان، كانت غالبية الدول العربية تقبع تحت هيمنة الاستعمار، ولعل ذلك ما ساهم في إشعال الغيرة والحماسة عند نفوس غيورة تعشق تراب الوطن عشقاً، كان همّها المؤرق طرد المحتل من أرضٍ اغتصبوها منا لضعفنا وتخلفنا، وإن لم يكن ذلك بسواعدهم فبملاحم أقلامهم، وهذا ما فتح الباب أمام أدباء تلك الفترة لتحرير رفضهم الصارخ للوضع القائم، وإطلاق العنان لأفكارهم وآرائهم، حاملين همّ أمة تواجه غزواً فكرياً يُهدد هويتها قبل أن يكون غزواً بالطائرات والدبابات.

أما اليوم، فقد تغير مفهوم الاحتلال وأخذ صبغة معقدة لا يكاد يستوعبها سوى الراسخين في علم تحليل الأنظمة، والعارفين بأساليب السياسة، في حين أن البسطاء من عامة المجتمع مَن حمل آباؤهم وأجدادهم سلاح المقاومة بإخلاص وتفانٍ ضد عدوٍ متجبر واضح وضوح الشمس تجرأ على حقوقهم وأعراضهم- اختلط عليهم الحابل بالنابل، ولم يعودوا فاهمين للعبة السياسة القذرة.

إذن، فغياب قضية محورية جامعة صادقة صدق ما أظهره السابقون من أجدادنا في ثوراتهم ومقاومتهم للاستعمار في جل الدول العربية، كان السبب في كبت نسبة عالية من إبداع فكري فريد من نوعه، أسال مداد كُتاب وشعراء رفضوا التحكم وآثروا آفاق الحرية والاستقلال، فخلّف ذلك فراغاً فكرياً ذهب بأدباء هذا العصر للتطرق إلى مواضيع تافهة، غارقة في الرتابة، لا تمس -لا من جهة الكاتب ولا من جهة القارئ- الشعور الداخلي للإنسان، ولا تحرك فيه تلك العاطفة الإنسانية المجردة، ولا تعبر عن مشروع حقيقي تقرأ فيه معاني البيان والاستدلال، مشروع أدبي نابع من القلب والوجدان، يتلألأ شعاعه من وراء جبل الحرية، فضاعت في غياب كل هذه الأمارات نشوة الإبداع، ووُصف بأنه عمل من الأعمال لا غير.

حقيقة، إن رواد النهضة الأدبية في عصرهم كتبوا كثيراً عن حياة الفقر، وصوروا الفساد المتفشي، وأماطوا اللثام عن واقع مر متخبط في مشاكل مزرية، لكنهم غالباً ما كانوا يحيلون هذه الآفات الاجتماعية إلى آفة الاستعمار الأكبر، ويربطون القضية بالواقع، فكان لقضيتهم حلاوة كمرارة واقعهم، ومع ذلك تفاءلوا بحلم التحرر باعتباره الحل السحري لكل الأزمات، والمخلّص الوحيد من كل هذه الآفات، كانوا يتطلعون إلى اليوم الذي نحلّق فيه أحراراً في سماء الحرية، مع أول يوم يرحل فيه الاحتلال عن أراضينا المغتصبة، فكان حلماً منشوداً وأملاً مُلهماً كُتِبَ وأُلّفَ عنه الكثير كقضية مصيرية فرضت نفسها بقوة على الساحة الثقافية.

أما الآن، فحُلم التحرر قد تحقق ولم يتحقق، وتحررت البلدان العربية من قبضة الاحتلال ثم سرعان ما استُعمرت بأساليب جديدة وخطط بديلة جعلتنا ندخل في حلقة من الحيرة والتوهان والصدمة العنيفة؛ بل والخوف من كل شيء بعد أن انعدم الأمن وتعددت بؤر التوتر، فصار أغلى ما ينشده الإنسان البقاء على قيد الحياة، والنفاذ بجِلده من حروب مجهولة المعالم.

وبغياب جوهر القضية غاب الأدب، واندحر الشعر، وضاعت رسالته، وفقد رونقه، خصوصاً مع تغير نمط الحياة الإنسانية في عصرنا وهبوب رياح التكنولوجيا العاتية التي زادت الطينة بلّة، وأفرغت الحياة من مضمونها وشاعريتها، وأفقدت الإنسان إحساسه بالغير وتقديره لمحيطه وما يجري فيه، وجعلت منه كائناً مستهلكاً متلقياً عاجزاً كل العجز عن الإتيان بإبداع من أي نوعٍ كان، فهل قصيدة شعرية تتحدث عن الفيسبوك أو ألعاب الفيديو مثلاً ستترك في النفس أثراً يُذكر؟ وهل ستحس بطعمها ولذتها حتى ولو احترمت كل قواعد الشعر وأساليبه؟ وهل ستحاكي مثل هذه القصيدة قصيدة ألقيتْ في حبّ فلسطين وفي عِشق الحرية؟ لا أبداً.

ومُجمل القول، إن الكاتب لا يكتب إلا من قضية تهزّه فتدفعه للتعبير عن ردّ فعله المنسجم مع ذاته الأدبية ومحيطه، وإلا فكل ما يُكتب من غير هذا الدافع لا طعمَ له ولا حياةَ فيه، وفي ظل غياب قضية مشتركة موحدة تؤجج المشاعر وتوقظها، لا ينصرف أديب اليوم إلا للتعرض لأحاسيسه الداخلية وتجاربه الشخصية ضيقة الأفق، المتشبعة بالغموض والضبابية، فيما يشبه نوعاً من التقوقع الفكري والانغلاق الأدبي لا الكاتب راضٍ عنه ولا القارئ يُحبذه.

يحقُّ لنا أن نعترف اليوم بأفول شمس الأدب العربي، بعد أن تربع في كبد السماء عرشُه فترة من الفترات، وهذا لا يُلغي من باب الإنصاف جهود خيرة من الأدباء المعاصرين الذين ما زالت تتولد فيهم حميّة الغيرة والحنين إلى الماضي، لكن -وللأسف- فإن جهدهم يضيع فلا يلقى من الاهتمام ما يستحق، وبعد أن كان الطالب يقطع أميالاً يقتفي أثر كتاب أو مرجع فيُحس بعد العثور عليه وكأن يده وطئت على كنزٍ ثمين- افتقدنا اليوم هذا الدافع الذي شكل نقطة قوة استفاد منها الأدب بشكل كبير، في مقابل كم هائل من المعلومات التافهة الجاهزة التي ما انفكت اليوم تفقأ عين القارئ بمجرد أن يفتح صفحة إلكترونية على هاتفه أو حاسوبه، فضاعت قيمة ما يُكتب وسط هذا الغثاء وإن كان بعضه يستحق الإشادة، وانتهى قدره إلى منحدر من الرتابة وانعدام القيمة المضافة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.