المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

كيف أصبح الدين أفيون الشعوب عندنا؟

تم النشر: تم التحديث:

يقول كارل ماركس: إن الدين أفيون الشعوب. وظلّت هذه المقولة تتردد إلى يومنا هذا، وإنني لا أناقش هنا ما الذي قصده ماركس من هذه المقولة.

هل كان يقصد المؤسسات الدينية أم رجال الدين أم أنه وسيلة ترتاح بها الشعوب من أزماتها ومشاكلها، أم أن سبب المشاكل والأزمات منبعها هذا الأفيون؟

ولكنني أجد أن الدين عندنا مخدِّر قوي يذهب بعقول الناس ويحرفهم عن مشاكلهم الحقيقية.

وأقصد بالدين هنا التمذهب والاستقتال من أجل هذا التمذهب، ولا أقصد بروح الدين الذي يفترض به أن يكون مصدر التسامي بالإنسان، ويكون مبعث الحكمة والتأمّل بجمال الخلق والخالق.

ما دعاني لهذا الموضوع القديم الجديد، إنني وجدت الدواعش وهم منتشون بمخدّر الدين ووعود الجنة والحور العين، وهم يمارسون أبشع أنواع القتل والاغتصاب.

اغتصاب العقول واغتصاب النساء ثم اغتصاب الوطن، وليس لهم همّ لا بالوطن ولا بالمواطن ومستقبل أبنائه.

وهناك في الطرف الثاني من المعادلة أناس منتشون بطقوس تعذيب النفس والاستماع إلى قصص مكررة، في وقت يستشهد إفيه خوان لهم على ساحات القتال في غرب وشمال العراق، وقد ألّمت بنا الخطوب من كل جانب وهم منغمسون بماضٍ لا يدفعنا إلى المستقبل بل يشدنا إليه ونزداد إمعاناً بتعذيب الذات وتعذيب الآخرين من حيث نشعر أو لا نشعر.

أليس الدين أفيون الشعوب؟ كيف لا ونحن جميعاً منتشون بالعصبية القبلية والطائفية ونجتر أحداثاً تاريخية لا تقدم ولا تؤخر؟ حتى إننا لم نطوّع هذا الماضي؛ ليكون موائماً لروح العصر.

كيف استطاعوا إدخال هذه المفاهيم بعقول ناس متعلمين وحتى كتاب ومثقفين؟ وما هي الخطة الجهنمية التي جعلتنا نتقاتل فيما بيننا، والأعداء من حولنا يتنعمون بخيرات العراق ونحن محرومون منها، بل ونحصد أيتاماً وأرامل وجثث شهداء مغدورين لا نعرف من همّ ولا من هو قاتلهم، ونرفع رايات لا نعرف أنها رايات للتفرقة والخصام وليست رايات للتوحيد والانتصار على الذات قبل الانتصار على الأعداء.

إن استخدام الفكر الطائفي سلاح ذو حدين، فهو يخدم الحزب والمرشحين للانتخابات، وبالتالي يحقق الغرض منه في تحشيد المواطنين الساذجين والجهلة لانتخابهم، ولكنه لا يؤسس لدولة المواطن التي نطمح إليها جميعاً، ولكن هذا الفكر المريض والمتخلف سرعان ما ينقلب إلى عدو لدود لكل ما هو منطقي وعادل، ويخلق أزمات لا أول لها ولا آخر، وما فرقتنا ونزاعاتنا إلا أثر من آثار هذا الفكر المرضي؛ لأنه يسري كالسرطان في جسد الدولة والمجتمع، ويذهب بالتعقل والحكمة من رؤوس المواطنين.

إن التعصب الديني أو المذهبي يدفع الشخص إلى العنف لتحقيق غاياته ويتميز بعدم تقبّل الحوار مع الآخر، بل إنه ينكر حق الآخر بالوجود، وهذا هو أخطر أنواع التعصب؛ لأنه يصبح تعصباً اجتماعياً يقسم المجتمع ويفتت الدولة.

وفي هذا الصدد يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: (العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن العصبية أن يُعين قومه على ظلم الآخرين).

إن أولئك المتعصبين لطائفتهم أو دينهم يعيشون في عالم آخر غير عالمهم، ويخلطون بين الواقع المعاش والواقع الظني؛ حيث يظنون أنهم يعيشون في الماضي، ويتباكون عليه، كما يعتقدون أن حل مشاكلهم يكمن بالموروثات الدينية المتخلفة ويتناسون أن هذه الموروثات هي السبب في تخلّفهم عن المدنية والحضارة، وأنها السبب في جهلهم وفقرهم وفرقتهم.

متى نستفيق من هذا الحلم المزعج وندرك أننا باسم الدين والطائفة نسرق ونقتل ونغتصب كل ما هو جميل بالحياة؟

لقد أصبح الجميع مخدّرين حتى إننا لا نستطيع أن نسمع مَن كان حياً، وكيف يسمع المنتشي بفتاوى الطائفيين والسياسيين الذين يتاجرون بالدين لتحقيق مآربهم ومآرب أسيادهم من خارج الحدود.

لقد انشغلنا عن الوطن بتعصبنا المذهبي والديني، وخلافاتنا التي وصلت إلى حد الصراع الدامي هي السبب في كل هذا الذي يحدث لنا، وكلما نخرج من متاهة ندخل في متاهة أخرى؛ مرة القاعدة ومرة الدواعش ثم انفصال الكرد، وغداً الأقاليم الطائفية.

وما زلنا نتساءل: لماذا يتآمرون علينا، سواء دول الجوار أو الأميركان أو إسرائيل؟ إنهم يتآمرون لأننا ننفذ ما يتآمرون به علينا، هل علمت مَن هو الذي يقتل نفسه ويقتل أخاه؟

ليس المتآمرون علينا رغم كثرتهم، بل نحن بتعصبنا وجهلنا، حتى أصبحنا لا نرى إلا ذواتنا ومَن هم على شاكلتنا وننكر الآخر رغم أنه الجار والأخ ورفيق الدرب في وطن قادر على أن يجمعنا معاً.

ونستطيع تقاسم الثروة والسلطة بلا أنانية أو تعصّب أو التمسك بموروثات ماضية لا تقدم لنا شيئاً.

إنها أوهام زرعت في عقولنا بغفلة منا وما زلنا نتمسك بها، إنني لا أخاطب الجاهل بذلك، ولكني أخاطب المتعلم الذي تأخذه العزة بالإثم وهو سائر في طريق مجهول لا يعلم أين سيؤدي به وبأولاده من بعده، فأفيقوا يا أولي الألباب واجعلوا العقل حاكماً للخرافة والجهل والتعصب، وتخلّوا عن العصبية الدينية أو الطائفية ففيها خراب أمتنا ووطننا وذواتنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.