المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

السياسة واللغة المسرحية

تم النشر: تم التحديث:

لسنا هنا في مجال الخوض باللغة كمفهوم علمي، ولا بالسياسة العامة.. ولكننا نتطرق إلى اللغة أو اللهجة التي تمثل الفعل المباشر للممثّل على خشبة المسرح.

إن اللغة المسرحية واسعة؛ حيث هناك لغة النص الأدبي، ثم اللغة الفنية للمخرج، أي الطريقة التي يراها المخرج للنص الأدبي لكي يحولها إلى مسرحية، ولغة الممثل وهي التي تتعلق بالحركات الإيمائية وطريقة تلفظّه للعبارة لنقلها إلى المتفرج أو المتلقي، والتي يجب أن تتصف بالوضوح لنقل المعنى أو الفكرة المطلوبة إلى المشاهد.

ويقول جورج أورويل: إن الكتابة الغامضة هي دليل النفاق. وكان يعتمد على العمل السياسي المباشر والواضح للرواية.

إن ما دفعني للحديث عن هذا الموضوع هو تصريح إحدى الممثلات العراقيات من جيل السبعينيات والثمانينيات من أن النظام السابق كان يمنعهم من تقديم عروض مسرحية بلهجة المدن العراقية الجنوبية.

إن هذا الموضوع مهم جداً ويتعلق بسياسة الدولة من ناحية اللغة أو حتى اللهجة، أي كيف تتعامل الحكومة مع هذه اللغة أو اللهجة المحلية، ويرتبط مفهوم سياسة اللغة، بلغة المخاطبات الحكومية أولاً، ثم تبني هذه اللغة أو اللهجة من قِبل السياسيين لضمان التواصل مع الجمهور لفهم السياسة المتبعة بسهولة ويسر، وكذلك استخدامها في المجالات الاجتماعية والثقافية العامة ومنها المسرحية.

في دول العالم أجمع هناك لهجة معينة ينظر إليها على أنها شكل متطور أو صحيح للمخاطبة، وخصوصاً في المجالات الثقافية والمسرحية، ويحضرني هنا أهل مدينة باريس، العاصمة الفرنسية الذين ينظرون باستنكار أو عدم ارتياح عندما يسمعون لهجة مغايرة للهجتهم، وخصوصاً أهل مرسيليا أو بعض المدن الجنوبية الذين يلفظون الراء راء، وليس بحرف الغين (غ)، وهم يعتبرون أنفسهم أكثر تحضراً ومدنيةً من الآخرين.

كما وجدت في هولندا أن هناك كثيراً من اللهجات حسب الأقاليم أو المحافظات، حتى أصدرت وزارة التعليم منشوراً يدعو المدارس إلى حث أولياء أمور التلاميذ على التحدث باللهجة الشائعة في بيوتهم لتسهيل عملية التدريس وتفهم الطلاب للدروس، ولتحقيق التواصل الاجتماعي والانسجام بين الطلاب في المدارس.

لقد حصل خلاف كبير حول استخدام اللغة الفصحى أو العامية في العروض المسرحية، وقد ذهب فريق إلى تبنّي اللغة العامية القريبة من الفصحى.

والغاية من كل هذه الآراء هي تحقيق أكبر قدر من الانتشار والشهرة التي يطمح إليها كل مسرحي، وتوسيع الرقعة الجغرافية لعرض المسرحيات على أكبر عدد ممكن من الجمهور وصولاً إلى المسرح العالمي، وتعتبر اللغة من أهم المحددات في هذا المجال.

إننا نشاهد أحياناً مسرحيات من المحافظات ولكننا على سبيل المثال لا نفهم المسرحية باللهجة الموصلية أو باللهجة الريفية لمحافظة ميسان، ولذلك تكون مثل هذه المسرحيات محلية لا تحقق الانتشار المنشود لها، وإذا أراد المخرج عرض مسرحية ذات بيئة ريفية فبإمكانه استخدام بعض الكلمات الدارجة المعروفة، وعلى نطاق ضيق حتى لا يخل بموضوع وهدف المسرحية.

إن النظام السابق قد امتد على سنوات طويلة تجاوزت الثلاثين عاماً، وكان هناك علماء ومسرحيون ومخرجون وفنانون معاصرون أسهموا إسهامات ممتازة في تقدّم وحداثة العلم والأدب والفن، ولا يمكن وصم تلك الفترة بأنها فترة بعثية أو صدامية مرفوضة، ولا يمكن اعتبار كل الإنجازات السابقة على أنها فاشلة أو مظللة أو تسييسها؛ لأن المجتمع يتطور ويتقدم بذاته، إضافة إلى تشجيع الدولة لهذا النمط من التطور والتقدم.

إن التأكيد على عدم استعمال اللهجة الريفية في المسرحيات العراقية هي فكرة صائبة للأسباب التي أوردناها، وأهمها تسهيل التواصل مع الجمهور بلغة مفهومة وتحقيق الانتشار المطلوب، وإن الفنانة التي انحازت إلى لهجتها المحلية قد جانبت الصواب، وربما أرادت أن تظهر نفسها بمظهر المضطهد من النظام السابق كوسيلة من وسائل المحاباة للنظام الجديد الذي لم يتميز بأي دور خلاق، سواء في الثقافة العامة أو المسرحية، لا بل إنه عمل ويعمل دوماً على إشاعة تحريم الفن والمسرح على اعتبار أنه مفسدة للشباب، وذلك للظهور بمظهر حامي التدين، وهو أبعد ما يكون عن الدين الحقيقي.

إن اللغة أو اللهجة الشائعة المستخدمة في المسرحيات بالإضافة إلى أنها تسهم في توسيع وانتشار نطاق المشاهدة المسرحية، فإنها تعتبر أيضاً عاملاً مهماً للوحدة الوطنية لأي دولة من الدول، ولعل اللهجة البغدادية هي أكثر اللهجات العراقية فهماً للجمهور العراقي؛ لكون بغداد تمثل العاصمة التي تتواجد فيها الحكومة والمؤسسات التعليمية والفنية الكبيرة، وكذلك تتوافر فيها التقنيات المسرحية والوسائل المتقدمة في العروض، إضافة إلى توفر دور العرض والمسارح على نطاق واسع.

وخلاصة القول: إن استخدام اللهجة البغدادية في المسرحيات العراقية تعد من عوامل الجذب والانتشار على عكس اللهجات العراقية المحلية الأخرى التي تسبب إرباكاً وتحول دون وصول الفكرة أو المغزى من المسرحية إلى المتلقي، وتقف عائقاً أمام تمتّع الجمهور بالعمل المسرحي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.