المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

أدهم إبراهيم Headshot

القضية الكردية.. كيف نفهم المشكلة والحل؟

تم النشر: تم التحديث:

لا بد من الاعتراف بأن لدينا مشكلة مستعصية اسمها المشكلة الكردية. ولا يحق لنا إغماض أعيننا عن هذه المشكلة أو ادعاء أن الكرد ليسوا من الشعوب الأصلية، أو أنهم طارئون في العراق، أو غيرها من الحجج. الشعب الكردي شعب أصيل له قوميته وخصوصيته، وإننا -كدولة مستقلة- نعتبر الشعب الكردي جزءاً من هذه الدولة ولا يمكن التفريط في وحدتنا.

بدأت المشكلة الكردية منذ العهد الملكي، وقد تمت معالجتها على الدوام بأساليب عسكرية إلا في أوقات محددة يتم فيها وقف النزاع المسلح بحلول مؤقتة، سرعان ما تذهب أدراج الرياح. وقد فرَّط صدام حسين في شط العرب من أجل حل المشكلة الكردية، فضاعت حقوقنا وبقيت المشكلة الكردية.
وجاءت حلبجة وما رافقها من مفاهيم الظلم والإبادة للشعب الكردي. وتم اجتثاث "البعث" على اعتبار أنه من أعداء الشعب الكردي. ولم يقدم الاجتثاث أي شيء لهم؛ لأن الحكم الجديد كسابقه لم يستطع استيعاب المشكلة الكردية رغم وجود تحالف سابق للاحتلال الأميركي، وأعني به التحالف الشيعي-الكردي.

وقد حاول رئيس الوزراء السابق الاستئثار بالحكم عن طريق إيهام الكرد بتقاسم السلطة، إلا أنه سرعان ما تنصَّل من اتفاقه مع الكرد، كما تنصل من اتفاقاته مع جهات عديدة، واستبدلها برشىً من ميزانية الدولة وُزِّعت بغير حساب على سُنة وشيعة وكرد، لتحقيق حلم الاستفراد بالحكم، إلا أنه رغم ضياع ثروة العراق لم يستطع البقاء في سلطة لم يكن مؤهلاً لها. وبعد انتهاء أموال الدولة وإفلاس الميزانية، عادت المشاكل بين حلفاء الأمس.

من الصحيح جداً القول إن المشكلة الكردية مشكلة قديمة، إلا أن عودتها إلى السطح مجدداً تعود إلى عدم وجود توازن للسلطة الحاكمة الحالية. والجميع يعرف هذه المشكلة، ولكن لا أحد يرغب في التخلي عن امتيازاته، وهذا يشمل العرب شيعةً وسنّةً، ويشمل الكرد أيضاً.

في منطقة الحكم الذاتي أو كردستان العراق، هناك تكتلات ومافيات تتصارع على الثروة، كما أن هناك أحزاباً تتنازع على السلطة أيضاً. وكذلك في الحكومة الاتحادية ببغداد، وربما بشكل أكبر. ولذلك، نرى تجاذبات واتهامات متبادلة بين الحكومة الاتحادية وحكومة كردستان، ودخلت الأحزاب الحاكمة وميليشياتها على خط الصراع، وكلٌّ يتهم الآخر بالخيانة وبحنث القَسم. وكلهم تقريباً مدفوعون من جهات أجنبية أو إقليمية.

إن القرارات السياسية المتخذة في العراق ما هي إلا إملاءات من دول الجوار أو من الدول الكبرى، وهذا يعني أننا غير مستقلين باتخاذ القرار. هذه حقيقة.. وحقيقة أخرى، أن بعض الدول قد تدخلت بشكل مباشر في القضية الكردية.. وقد ساند الأميركان الكردُ، لكن هذا لا يعني إعطاءهم كارتاً أبيض ليفعلوا ما يشاءون.

كما أنه من غير المعقول قيام جهات سياسية في كردستان بالتعاون علناً مع إسرائيل وهم يعلمون أن هناك حقوقاً للشعب الفلسطيني وأن هناك أراضي عربية محتلة من قِبل إسرائيل، إضافة إلى أن إسرائيل لا تساعد الكرد لسواد عيونهم، وإنما لديها مصلحة في تقسيم العرب، والعراق على وجه الخصوص؛ لأن للعراق مكانة تاريخية ودينية تحسب إسرائيل لها ألف حساب.. وهي دولة عنصرية تعتمد على المفاهيم الدينية القديمة في سياساتها على مستوى المنطقة وعلى مستوى العالم أيضاً.

وفي المقابل، فإن تقسيم الشعب العراقي إلى مكونات شيعية وسنية وكردية، وإقامة حكومة وفق هذا التقسيم- ما هو إلا واحد من المشاريع الإسرائيلبة الصهيونية التي يتم تنفيذها من قِبل الأحزاب الحاكمة في بغداد بحماسة منقطعة النظير. وما إصرارهم على بقاء التحالفات الطائفية الشيعية والسنّية كبديل عن الوطنية العراقية إلا ترجمة لهذه المخططات. وإن هذه السياسة هي التي ساعدت المتربصين بالوحدة الوطنية للتجاوز على وحدة العراق أرضاً وشعباً.

إن الفوضى السائدة في العراق الآن والتي لا تخفى على أحد، منبعها وأساسها عدم وجود إرادة عراقية حقيقية في إدارة البلد، وقد تدخلت في شؤونه الداخلية كل من أميركا وإيران، ثم روسيا وتركيا، وبعدها السعودية، وحتى الإمارات وقطر، ولا ننسى إسرائيل أيضاً وبطريقة خفية.

وكلٌّ له أجندته السياسية، المتوافقة أحياناً والمتعارضة أحياناً أخرى. وكان من نتيجة ذلك كله، الصراع الدامي بين أبناء البلد الواحد بحجج طائفية أو قومية، حتى أصبح العراق لا يجد له أي مركز قوة فاعل بحيث يفرض سيطرته على الوضع الداخلي، فضلاً عن عجزه في رفض التدخلات الخارجية بشؤونه الداخلية، أو اتخاذ قرارات وطنية عراقية خالصة. وأية أزمة يقع فيها يهرع إلى دول الجوار؛ ليدرأ الخطر عنه!

والسبب في كل ذلك، عدم وجود تجانس بالحكم بين طوائف الشعب الذي قُسّم إلى شيعة وسنّة وكرد وعرب. وكلٌّ يريد قسمةً أكبر من كعكة الحكم لنفسه، مستعيناً بدول الجوار أو القوى الكبرى تحت مبررات تاريخية أو مظلومية، سواء مظلومية الشيعة أو مظلومية السنة المستحدثة أو مظلومية الكرد وعقدة الشعور بالاضطهاد، سواء كان حقيقياً أو مبالغاً فيه.

إن دعوة الكرد للاستفتاء لم تخرج عن هذا المنطق، وإن حل المشكلة الكردية يتطلب منا الاعتراف بها أولاً، ثم الاعتراف بأن حلها لا يمكن أن يتم بمعزل عن الوئام والتوافق الوطني لكل أطياف الشعب، ويشمل ذلك الشيعة والسنّة والكرد والعرب والتركمان وسائر الفئات العراقية الأخرى، الذين ينتابهم الشعور بالاضطهاد والمغبونية أو الإبادة الجماعية والتهجير والتعسف.

إن هذه الحكومة عاجزة عن إيجاد الحلول لأي مشكلة، بما فيها المشكلة الكردية، وإن التهديد باستخدام القوة لا يمثل حلاً أبداً؛ لأن كل الحكومات المتعاقبة في العراق حاولت حلها بالقوة، وأحياناً القوة المفرطة، ولكنها لم تفلح. كما أن استخدام القوة ضد أديان وطوائف داخل البلد لم يجلب لنا سوى المزيد من الاقتتال والدماء والعنف يقابله دائماً عنف أشد فتكاً.

ولكن هؤلاء الحكام لم ولن يتعظوا، وليس فيهم رجل رشيد ليدرأ عنا هذه المصائب والويلات، ويعيد اللُّحمة الوطنية إلى شعب عانى ما عاناه من الفرقة والانقسام. والمشكلة أن الجميع يتحدث عن مؤامرة التقسيم ولا واحد قام بعمل وطني لدرء هذه المؤامرة؛ بل الجميع يساهم في تنفيذها بطريقة أو بأخرى.

إن الدعوة للاستقلال قد جاءت من قِبل بارزاني، الذي حاول استغلال هذه الظروف إضافة إلى ضعف الحكومة الاتحادية، ومحاولته الهروب إلى الأمام إزاء المطالبات الكثيرة بتنحيته عن رئاسة الإقليم. وكذلك، لتحقيق مجدٍ شخصيٍّ له رغم علمه وعلم الجميع استحالة تنفيذ هذه الدعوة للاستقلال في هذا الوقت بالذات، ونحن نشهد توترات وحروباً إقليمية شديدة التعقيد، وإقليم كردستان محاط بدولتين أشد عداءً له من أي دولة أخرى. كما أن الإقليم لا يملك منفذاً بحرياً، مما يسهل على دول الطوق محاصرته وفرض إرادتهم عليه.

إن المشكلة الأساسية في العراق تكمن في عدم وجود الثقة بين الأطراف المتصدية للعمل السياسي، وإن إعادة الثقة تتطلب المشاركة الفعلية في القرار السياسي، وتبنّي الإعلام الوطني الهادف، مع التوقف عن التصريحات الطائفية والعنصرية، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة المهجَّرين إلى مدنهم دون تلكُّؤ؛ لقطع الطريق أمام استخدامهم كورقة ضغط لتحقيق مآرب غيرعادلة.

وحل مشاكلنا الداخلية عن طريق الحوار المباشر، وتجنُّب التهديد باستخدام القوة الذي لن يجدي نفعاً، وأن نجلس مع إخواننا الكرد لحل جميع النقاط العالقة بما فيها المناطق المتنازع عليها، وهي مناطق مشتركة للجميع، وإن تعذَّر التوصل إلى حلول مُرضية، فبالإمكان الاستعانة بالأمم المتحدة أو بخبراء دوليين؛ للقضاء نهائياً على كل بؤر الخلاف والفرقة.

إن على القادة الكرد الذين ساهموا في الاستفتاء لصالح الاستقلال، الابتعاد عن التهديد بالانفصال؛ لأن ذلك لا يصب في مصلحة الكرد لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل المنظور، ويعرّض التعايش السلمي الأهلي للخطر، وأن عليهم بدل ذلك المشاركة مع بقية أبناء الشعب العراقي في تصحيح مسار العملية السياسية المشوهة والمشبوهة، إضافة إلى أن الظروف الدولية والمحلية تتعارض مع هذا النهج، وأن يعملوا بجدٍّ لفتح صفحة جديدة من العمل السياسي؛ لتجنب كل ما يؤدي إلى الإضرار بمصالح العراق أو شعبه.

إن الأهمية القصوى في الوقت الراهن تكمن في توطيد الجبهة الداخلية، والكف عن التعصب القومي والائتلافات الطائفية. والوقوف صفاً واحداً لمواجهة خطر التقسيم الذي أصبحنا قاب قوسين أو أدنى منه، خصوصاً أن هناك دعوات في السر والعلن لإعلان الأقاليم في العراق، إضافة إلى مطالبات إقليم كردستان بالانفصال.

ومن هذا المنطلق، يتوجب على الجميع الكف عن التصعيد الإعلامي والتحريض الشيفوني الذي يخلق العداء بين الشعبين العربي والكردي ويسبب خسارة فادحة للجميع.

إننا يجب أن نعمل معاً في وطن واحد يجمعنا، وفيه من الخيرات ما يكفينا جميعاً، والاعتماد على أنفسنا في اتخاذ القرار الوطني بدل تنفيذ أهداف وسياسات الدول المجاورة في التوسع على حساب شعبنا ووطننا، والذي لم نحصل منه إلا على الخراب وخيبة الأمل مع ضياع الحقوق، وربما التفريط في وطن كان يؤوينا جميعاً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.